منذ فجر التاريخ البشري، بحث الناس عن إجابات لأعظم أسئلة الحياة: لماذا أنا هنا؟ مَن خلقني؟ هل لحياتي غاية؟ هل يعرفني الله شخصياً؟ وكيف يمكنني أن أعرفه؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تساؤلات فلسفية، بل هي أسئلة تمس جوهر الإنسان وشخصيته. فكل قلب بشري يرغب في فهم أصله والهدف من وجوده. ويعلّمنا الكتاب المقدس أن هذا الاشتياق موجود لأننا خُلقنا على يد الله ومن أجل الله. فيقول النبي داود في المزامير: “عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ“. (المزمور 42: 2)

الدليل على وجود خالق

يبدأ الكتاب المقدس بعبارة بسيطة ولكنها عميقة: “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ“. (التكوين 1: 1) فقبل وجود الكون، كان الله موجوداً.إنه أزلي، وقائم بذاته، ومصدر كل حياة.وكل ما هو موجود يدين بوجوده له.والخليقة ذاتها تشير إلى خالقها. لقد كتب داود: “السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ“. (المزمور 19: 1) فجمال شروق الشمس، وروعة الزهور المتنوعة، ونظام النجوم، كلها تشهد على حكمة الله وقدرته.ويوضح الرسول بولس ذلك قائلاً: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ“. (رسالة رومية 1: 20) وبالرغم أن الخليقة لا تخبرنا بكل شيء عن الله، إلا أنها تخبرنا بما يكفي لندرك أننا لم نوجد بمحض الصدفة،فخلف هذا الكون يقف خالق حكيم وقوي ومجيد.

مخلوقون على صورة الله

يكشف الكتاب المقدس أمراً فريداً يتعلق بالبشر، فيقول: “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ“. (التكوين 1: 27) فعلى خلاف بقية المخلوقات، خُلق البشر على صورة الله. وهذا لا يعني أننا نشبه الله من الناحية الجسدية، بل يعني أننا نعكس صفاته بطرق لا تستطيع أي مخلوقات أخرى القيام بها. إن خلقتنا على صورة الله يعني أننا قادرون على معرفة الله ومحبته، وعلى التفكير والتعقل، الإبداع والرعاية، اتخاذ قرارات أخلاقية، بناء العلاقات، وعبادة الخالق. يتمتع كل إنسان، بغض النظر عن العمر أو الجنسية أو الخلفية، بكرامة عظيمة، لأن كل شخص يحمل صورة الله

لماذا نشعر بالفراغ الروحي؟

إن كنا قد خُلقنا لنعرف الله، فلماذا يشعر الكثير من الناس بالبعد عنه؟ يقدم الكتاب المقدس الإجابة في كلمة واحدة: الخطية. فعندما تمرد آدم وحواء على الله، دخلت الخطية إلى العالم وأفسدت علاقة البشرية بخالقها. يكتب إشعياء: “ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ“. (إشعياء 59: 2) ومنذ ذلك الحين، سعى الناس وراء الإشباع في الثروة والنجاح واللذة والسفر والعلاقات والإنجازات. ورغم أن هذه الأمور قد تجلب سعادة مؤقتة، إلا أن أياً منها لا يستطيع ملء أعمق أشواق القلب البشري. وكما كتب القديس أغسطينوس عبارته الشهيرة: “يا رب لقد خلقتنا لنفسك، وستظل قلوبنا حائرة حتى تجد راحتها فيك”. ان شعورنا بعدم الاستقرار والاضطراب هو علامة على أننا خُلقنا لشركة مع الله.

الله يبحث عنا

الرسالة الرائعة في الكتاب المقدس هي أن سعينا نحو الله يقابله سعي الله نحونا. لقد بادر الله بذلك منذ البداية. بعد أن أخطأ آدم وحواء، نادى الله قائلاً:” أدم، أين أنت؟”. (تكوين 3: 9) كان الله يعلم مكانهما الجسدي، لكنه كان يدعوهما للعودة إلى علاقة معه. وعلى مر التاريخ، واصل الله إعلان ذاته من خلال الخليقة، كلمته التي أعلنها الأنبياء، اختيار شعباً ليقطع معه عهداً، وفي النهاية من خلال ابنه. وأعظم إعلان عن الله هو يسوع المسيح. فأظهر يسوع الآب حين قال: “من رآني فقد رأى الآب“. (يوحنا 14: 9) إذا أردنا أن نعرف طبيعة الله، فإننا ننظر إلى يسوع. ففي يسوع المسيح نرى: قداسة الله، ومحبته، عدله، ورحمته. يبدأ يوحنا إنجيله قائلاً” “اللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يوحنا 1: 18) فيسوع هو الإعلان الكامل عن الله غير المنظور.

الصليب: دعوة الله للعودة إليه

إن أكبر عائق أمام معرفتنا بالله ليس الجهل، بل الخطية. فكان رد الله هو الصليب. لقد عاش يسوع المسيح حياةً خالية من الذنوب، وهي الحياة التي لم نتمكن نحن من عيشها، ومات الموت الذي كنا نستحقه. يكتب بولس قائلاً: “وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا: لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا“. (رومية 5: 8) فمن خلال موته وقيامته، فتح يسوع الطريق أمام الخطاة لنيل الغفران والتصالح مع خالقهم. ويؤكد بطرس هذه الحقيقة بقوله: “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ“. (بطرس الأولى 3: 18) إن الغاية من الصليب ليست فقط مجرد الغفران، بل استعادة الشركة المفقودة مع الله. وعندما نطلبه بقلب صادق، فيَعِدُنا اللهُ: “تَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ“. (إرميا 29: 13).

كيف يمكننا أن نجد الله؟

يكشف لنا الكتاب المقدس عن شخصية الله ومقاصده وخطة خلاصه. وعندما نأتي إليه بقلوب متواضعة، يرشدنا الله من خلال روحه. فروح الله يساعدنا على الإيمان بيسوع الذي قال: “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“. (يوحنا 14: 6) فالإيمان بالمسيح هو السبيل الوحيد للتصالح مع الله. وعندما نسير مع الله يومياً تزيد معرفتنا به. فمعرفة الله ليست لقاءً لمرة واحدة، بل هي علاقة تدوم مدى الحياة. وبينما نصلي ونطيع كلمته ونعتمد على الروح القدس، تزداد شركتنا معه عمقاً ويتثبت فرحه فينا.

إن معرفة الخالق هي أعظم امتياز في الحياة. وهي تعني التمتع بالسلام مع الله، واليقين بأننا محبوبون، فنكتشف غايتنا الحقيقية، وننال الغفران، والعيش برجاء في هذه الحياة مع ضمان الحياة الأبدية. وقد عبّر الرسول بولس عن شكره لله حين كتب: “الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ“. (كورنثوس الثانية 4: 6) إن البحث عن الله لا ينتهي بالعثور على فلسفة أو دين، بل بمعرفة “شخص“.

صلاة

يا إله الكون، أنا أبحث عن علاقة معك. الكتاب المقدس يخبرني بمحبتك لي وبموت يسوع من أجل أن يكفّر عن ذنوبي. يا رب اكشف لي عن نفسك، لأعرفك وأحبك وأسير معك باقي أيام عمري. أمين

للمزيد عن هوية السيد المسيح


  هل تريد أن تعرف أكثر عن موضوعات مشابهة مجاناً؟


هل هناك موضوع يهمك أن تعرف أكثر عنه؟ اكتب لنا به.
يا صديق، نحن نريد أن نساعدك في رحلة الإيمان. الخطوة التالية هي أن ترسل لنا برغبتك في المعرفة والإيمان لنتواصل معك، فنشجعك ونصلي من أجلك. نحن نتعامل بحرص وسرية مع كل رسائل الأصدقاء