الحياة مليئة بالقرارات النابعة من الاختيارات. في كل صباح، وبصورة طبيعية نحن نختار: وقت الاستيقاظ!، ماذا نتناول من طعام؟، الملابس التي نرتديها، الطريق الذي نسلكه، أسلوب الحديث مع الناس، والرد عليهم. وبالطبع هناك أيضاً قرارات مصيرية في الحياة تؤثر على المستقبل وتحدد اتجاهه ونتائجه.
يقدم إنجيل متى والفصل 27 واحد من أبرز مشاهد الاختيارات في الكتاب المقدس بأسره. وقف رجلان أمام الجموع. أحدهما يُدعى يسوع، والآخر يُدعى باراباس. أحدهما بريء؛ والآخر مذنب. أحدهما أعطي الحياة وحسّنها؛ والآخر قد أزهقها وأتعسها. ومع ذلك، في لحظة فاصلة وحافلة بالمعاني الأبدية، يُطلب من الجموع أن تختار واحد من الاثنين. يا ترى لو كنت مع الجموع فمن تختار؟
تفاصيل القصة
وقف الحاكم الروماني بيلاطس أمام الجمهور كعادته كل عام. وقدم اختيار بإطلاق سراح أسير في وقت عيد الفصح لجموع اليهود أمامه. لكن هذا العام كان مختلفاً. كان بيلاطس يعرف الاختيار الصحيح، ولكنه لم يرد أن يأخذه بل طلب أن يتهرب منه ويضعه أمام مشاهديه. فقال للجموع: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» (متى 27: 17)
ولكن قبل ان تختار، اسمح لي بأن أقدم معلومات عن خلفية كل واحد منهما كما أعلنها كتّاب الإنجيل.
باراباس
يعلن لنا مرقس 15 عن باراباس وما فعله. فيصفه بأنه متمرد، رجل شارك في انتفاضة ضد الرومان، ومذنب بارتكاب جريمة قتل (مرقس 15 :7). إنه يجسد العنف والتمرد والذنب. إنه من النوع الذي يخشاه المجتمع ويدينه. وقد تم القبض عليه متلبساً بجريمته مع رفقائه. اسمه أيضاً يكشف عن الكثير عنه: فاسم ”بار-باس“ بالآرامية يعني ”ابن الأب“.وهذا يخلق مقارنة لافتة للنظر:
باراباس: ابن أب (مجهول، أرضي)
يسوع: ابن الآب (ابن الله الأبدي)
وقد أشارت بعض المخطوطات القديمة لإنجيل متى إلى أن اسمه ربما كان ”يسوع باراباس“، مما يجعل التباين أكثر وضوحاً: فيقف ”يسوعان“ أمام الحشد: أحدهما مُحرر عنيف، والآخر مُخلّص لطيف.
المقارنة
باراباس كان يمثل:
التمرد السياسي
الجهد البشري
المقاومة العنيفة
أما يسوع فيمثل:
الخلاص الروحي
النعمة الإلهية
الحب المضحي
باراباس يقتل الناس.
يسوع يهب حياته.
باراباس يهتم بخططه وطموحاته الشخصية.
يسوع يهتم بالآخرين ويقدم الخير لهم.
باراباس مذنب.
يسوع بريء.
الاختيار
وضع الحاكم الروماني بيلاطس هذا الاختيار أمام الجمهور: من تختارون لأطلقه لكم؟ يسوع المسيح أم باراباس؟
وهنا صرخ الجمهور: “أطلق لنا سراح باراباس!“ فقال بيلاطس للجموع وماذا افعل بيسوع؟ فصرخ الجمهور قائلين: “اصلبه!“ (مرقس 15: 11-13)
البديل
كانت هذه اللحظة أكثر من مجرد لحظة تاريخية، إنها وقفة لاهوتية عميقة.
خرج باراباس حراً لأن يسوع أخذ مكانه.
فأُطلق سراح المذنب.
ودين البريء.
لم يكن هذا من قبيل الصدفة، بل هو صورة للإنجيل الذي أعلن: «لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِين.» (مرقس 10: 45)
لم يكن باراباس يستحق الحرية. الا إنه نالها لأن آخر ، يسوع، حمل عقابه وصليبه.
اختار الجمهور باراباس. ورفضوا يسوع! لكن يظل السؤال مطروحاً على كل جيل: ماذا سنفعل بيسوع؟
هل سنرفضه، أم نتجاهله، أم نقبله؟
حصل باراباس على الحرية الجسدية، لكن الكتاب المقدس لا يذكر شيئاً عما إذا كان قد وجد الحرية الروحية الحقيقية. والسؤال الأهم ليس ما إذا كنا قد تحررنا من عواقب أخطائنا في الحياة، بل ما إذا كنا نستجيب للذي حُكم عليه بالهلاك من أجلنا.
عظمة النعمة
التبادل الذي حصل بين باراباس ويسوع هو تبادل شخصي للغاية. إنه يذكرنا بأن الخلاص ليس أمراً نظرياً، بل هو موضع حتمي عملي يتوجب قرار.
فوقف يسوع في مكان الإدانة الذي كان ينبغي أن نقف فيه.
وقد تحمل ما كان ينبغي أن نتحمله نحن من عقاب لذنوبنا الكثيرة
وهو قد مات لكي نحيا.
فيقول النبي إشعياء: «وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا..» (إشعياء 53: 5).
واليوم، الجمعة العظيمة. أمامنا اختيارين، وقرار واحد. فهل نختار باراباس وما يمثله من قيم هذا العالم، وشروره. أم نختار يسوع بمحبته المضحية، ووعده بغفران الذنوب، وبحياة أفضل؟
وهذا ما يجعل هذه الجمعة عظيمة!
صلاة
“يا رب أشكرك من أجل تسجيل هذه الحادثة الهامة في الإنجيل. أشكرك من أجل يسوع الذي اختار أن يأخذ مكاني طوعاً، وأن يموت نيابة عني اختياراً، ولكنه قام منتصراً. ساعدني أن أثق في تضحيته العظيمة من أجلي وأن أعيش فرحاً بهذا الايمان”. أمين