ما هي المعرفة؟ لربما لم تسأل نفسك هذا السؤال من قبل! لكنه سؤال هام جدا، وخاصة ونحن نحاول أن نعيش في هذه الحياة المعقدة؟ كيف أعرف الحق؟ وكيف أتأكد ان هذه المعرفة صحيحة؟ أرجو أن تشدك هذه الأسئلة للبحث والتقصي. لكن هدف هذه الدراسة هو كيف نعرف الله؟
الواقع، ان كل ما نعرفه في المسيحية عن الله، هو ما أعلنه سبحانه لنا. فكلمة “إعلان” تعني “الكشف عن أمر” وإزالة الغطاء عنه. وقد تكرّم الله بكشف البعض من هويته بقدر ما يستطيع البشر فهم واستيعاب هذه المعرفة عن الله الخالق العظيم.

المبادرة الإلهية

يرتكز الإيمان المسيحي على الاقتناع بأن الله يتكلّم إلينا. فنحن لا نكتشف الله بمجرد الحكمة البشرية أو الفلسفة أو الخيال الديني. بل إن الله هو الذي أخذ المبادرة. لذلك، فإن الوحي الإلهي هو جوهر الفكر المسيحي. فالمسيحية ليست مجرد مجموعة من الأفكار البشرية عن الله؛ بل هي استجابة لما أعلنه الله عن نفسه. كشف الله عن ذاته بأسلوب متدرج من خلال ما خلقه، ومن خلال أفعاله في التاريخ، ومن خلال الكتب المقدسة، وما دونه أنبيائه ولكن بشكل أسمى من خلال يسوع المسيح. وعلى هذا فإن الإيمان المسيحي لا يستند على التخمين، بل إلى حقائق كشفها الله عن نفسه.

الإعلان الإلهي العام

يقدم الفكر المسيحي مفهوماً عن الإعلان العام بأن الله كشف عن ذاته للبشرية جمعاء من خلال خليقته. الطبيعة من حولنا تشهد بأن هناك من قام بتصميمها وتكوينها من العدم فأحسن صنعها. لهذا يتأمل الملك داود في الطبيعة ويعلن: “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ“. (المزامير 19: 1). فعنما نتأمل في الطبيعة من حولنا، سواء كانت في منظر بديع لغروب الشمس، أو في الاستمتاع بعبير زهرة جميلة، أو عند تسلق جبل شاهق. لابد أن نصل للاقتناع بأن وراء الطبيعة كلها من جمال وعظمة، وتعقيد، يقف خالق قدير لديه حس جمالي خارق. لقد خلق فأبدع! ولكن هذا الإعلان العام وإن كان يوقظ فينا الشعور بالدهشة والتواضع، إلا انه لا يحدد طبيعة وهوية من خلق الكون وما فيه، لذا نحن نحتاج إعلانا أخر يكشف لنا عن هوية هذا الخالق.

الإعلان الإلهي الخاص

مرة أخرى يأخذ الله المبادرة ليكشف عن نفسه بصورة أكثر وضوحاً من خلال الإعلان الخاص. والمقصود هنا من خلال كلمته وأفعاله في التاريخ البشري. فقد أعلن الله عن نفسه لأفراد مثل إبراهيم وموسى وداود والأنبياء. وتكلم إلى شعبه وكشف عن مقاصده تدريجياً. وسجل الكتاب المقدس تاريخ الوحي الإلهي هذا. فلم يكتفِ الله بتقديم المعلومات فحسب، بل أقام علاقة مع الناس، وعقد عهوداً، وقدم وعوداً، وتدخل في مجريات التاريخ ليحقق أهدافه وتصليح ما أفسده الإنسان. فيسجل العهد القديم عبارة تكررت كثيراً: “هكذا قال الرب” فكان الأنبياء ينقلون رسالة مصدرها الله وليس أنفسهم. فكتب بطرس مؤكداً: ” لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ“. لذلك فإن الإعلان الإلهي الخاص يشمل كلاً من رسالة الله وعمل الله.

الإعلان الإلهي الأعظم

تكلم الله للبشرية بصور متعددة ولكن أعظمها لم يكن مجرد كتاب أو رؤيا أو رسالة نبوية. بل هي شخص، وبالتحديد هو يسوع المسيح. فيخبرنا كاتب رسالة العبرانيين في افتتاحيته:” اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ“. (العبرانيين 1: 1- 2). صار أوضح اعلان إلهي للبشرية عندما جاء يسوع المسيح. فلم يكتفِ يسوع بالحديث عن الله فحسب؛ بل كشف عن الله من خلال حياته، وشخصيته، وتعاليمه، وأعماله، وكذلك في موته، وقيامته. فعندما سأله واحد من تلاميذه عن هوية الله، رد يسوع المسيح بهذا الجواب: “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ!” (يوحنا 14: 9). فجاء يسوع المسيح – كلمة الله الأزلي- ليظهر طبيعة الله للبشر من محبة، ولطف ورعاية وشفاء. ولم يكن هذا فقط كل ما عمله، بل قدم المسيح حلاً لمعضلة الأجيال! كيف يمكن لله الطاهر والعادل أن يسترد البشرية الضائعة والمحكوم عليها بالموت بسبب التلوّث بالذنوب والخطايا؟ فتجلت محبة الله في أعظم صورها في الصليب، حيث تلاقى العدل مع الرحمة، وتصافحت القداسة مع السلام. على الصليب، دفع المسيح العقاب. فاستوفت عدالة السماء حقها، وصارت رحمة الله متوفرة لتغمر كل من يطلبها بالتوبة والإيمان. وهذا هو أجمل إعلان يمكن للفرد أن يستلمه.

الإعلان الإلهي يتطلب استجابة

لم يكشف الله عن ذاته في إعلانه عن نفسه بغرض الدراسة الأكاديمية، بل لرغبته سبحانه في إقامة علاقة مع البشر الذين يحبهم. إن رغبة قلبه هي أن يستعيد الخاطئ الضال ويرده إلى حضنه الدافئ. فيقول أحد المفسرين:
-إذا كان الله قد أعلن عن نفسه، فإننا مدعوون إلى الاستماع.
-وإذا كان الله قد كشف خطايانا، فإننا مدعوون إلى التوبة.
-وإذا كان الله قد أظهر نعمته، فإننا مدعوون إلى قبولها.
-وإذا كان الله قد أعلن المسيح رباً ومخلصاً، فإننا مدعوون إلى الثقة والإيمان به.
كتب يوحنا: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ“. (يوحنا 1: 12). وهناك فرق هائل بين معرفة معلومات عن شخص ما، ومعرفة ذلك الشخص فعليّاً. وكما ذكرنا من قبل ان المسيحية في جوهرها هي الدخول في علاقة مع الله الذي أعلن نفسه. فهل لك هذه العلاقة؟

صلاة

“يا رب أشكرك لأنك لم تتركني في ظلام الذنوب وعمق الحزن. أشكرك لأنك أعلنت لي عن نفسك يا رب من خلال يسوع المسيح، الكلمة الحي. أنا أتي إليك بضعفي وعجزي، وأطلب محبتك ورحمتك. أنا أثق بتضحية المسيح الذي دفع عقاب ذنوبي لأنه يحبني، وبه أدخل إلى عرشك. ساعدني أن أعرفك وأسير معك بالإيمان. في اسم يسوع. أمين“


  هل تريد أن تعرف أكثر عن موضوعات مشابهة مجاناً؟


هل هناك موضوع يهمك أن تعرف أكثر عنه؟ اكتب لنا به.
يا صديق، نحن نريد أن نساعدك في رحلة الإيمان. الخطوة التالية هي أن ترسل لنا برغبتك في المعرفة والإيمان لنتواصل معك، فنشجعك ونصلي من أجلك. نحن نتعامل بحرص وسرية مع كل رسائل الأصدقاء