الكتاب المقدس هو مجموعة رائعة من الكتابات التي كُتبت على مدى قرون عديدة وفي ظروف مختلفة. وهو يحتوي على التاريخ والشعر والنبوءة والحكمة والرسائل، بالإضافة إلى سرد لحياة وتعاليم يسوع المسيح. وعلى الرغم من هذا التنوع الأدبي، فإنه يقدم رسالة واحدة شاملة عن الله والإنسانية، والخطيئة والفداء، والأمل المضمون في الحياة الأبدية. فيؤمن المسيحيون بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها، وأنه يقدم وحياً موثوقاً به عن شخصية الله ومقاصده. لكن ما هي الأدلة التي يمكن أن نجدها داخل الكتاب المقدس نفسه والتي تدعم صحته والثقة به؟
تتناول الأدلة الداخلية محتوى الكتاب المقدس، بما في ذلك وحدته، واقتباساته التاريخية، وكتاباته النبوية، وشهادات الشهود العيان. وعلى هذا فهذه الأدلة تقدم أسباباً مهمة لدراسة الكتاب المقدس بجدية والتفكير في رسالته.
وفي المقال السابق – عصمة الكتاب المقدس، قدمنا شرحا لمعنى المقصود بالعصمة وكذلك التأكيد على أن كلمة الله جديرة بالثقة ولن تفشل في تحقيق ما يقصد الله تحقيقه وتتميمه في العالم وفي حياة الأشخاص.

وحدة الكتاب المقدس

وبالرغم من أن الكتاب المقدس هو كتاب واحد إلا انه يحوي بداخلة 66 وثيقة كتبت على يد أكثر من 40 كاتب وعلى مدار أكثر من 1400 سنة من الزمان. ومع ذلك فإن السمة البارزة للكتاب المقدس هي وحدة رسالته المركزية. فقد كُتبت أسفار الكتاب المقدس في سياقات تاريخية مختلفة، وعلى يد مؤلفين من مختلف المهن والخبرات. ومن بينهم ملوك وأنبياء ورعاة وصيادون وطبيب وغيرهم. ومع ذلك، يقدم الكتاب المقدس سردًا مترابطًا لعلاقة الله بالبشرية. فمن سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، تتكرر عدة مواضيع أساسيه فيه:
– الله هو الخالق ورب كل شيء.
– البشرية خُلقت على صورة الله، لكنها سقطت في الخطيئة.
– يأخذ الله زمام المبادرة في جذب الناس إليه.
– تظهر مقاصد الله من خلال وعوده وعهوده.
– يسوع المسيح هو محور خطة الله للخلاص.
– الله يعد بمستقبل تنهزم فيه الخطيئة والموت والمعاناة إلى الأبد.
وحدة الكتاب المقدس لا تعني أن كل كاتب عبّر عن الأفكار بنفس الطريقة بالضبط. فلكل كتاب من كتب الكتاب المقدس نقاط تركيز مميزة، وبعض المقاطع تتطلب تفسيراً دقيقاً. ومع ذلك يجد الدارس قصة متماسكة عن الخلق، والسقوط، والفداء، والاسترداد، تمتد عبر الكتاب المقدس بأكمله. فيكتب الرسول بطرس: “لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ“. (بطرس الثانية 1: 21)
بالنسبة للمسيحيين، تتوافق هذه الوحدة مع الإيمان بأن الروح القدس قد أرشد كتّاب الكتاب المقدس أثناء تدوينهم لمقاصد الله.

تتميم النبوات في الكتاب المقدس

تُعد تحقيق النبوات مجالاً مهمًا آخر من مجالات الأدلة الداخلية. فيحتوي العهد القديم على وعود وكتابات نبوية تتعلق بشعب إسرائيل، ومجيء المسيح، والدينونة، والقيامة. ويؤمن المسيحيون أن العديد من هذه النبوات قد تحققت في يسوع المسيح. فعلى سبيل المثال، يصف إشعياء عبداً يتألم من أجل الآخرين فيقول: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا“. (إشعياء 53: 5) وقد فسّر المسيحيون هذه الآية على أنها تشير إلى آلام يسوع وموته من أجل الخطاة. ويربط العهد الجديد بين فداء يسوع ولغة «العبد المتألم».

أيضاً، يحدد ميخا بيت لحم في نبوءة تتعلق بحاكم لإسرائيل ومكان ميلاده. «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ». (ميخا 5: 2). ويلفت متى نظر قارئيه إلى هذه النبوة عند ميلاد يسوع في بيت لحم. (متى 2: 5- 6)

أما المزمور 22 فيحوي على أوصاف محددة للمعاناة والاضطهاد. وقد تحققت هذه التفاصيل في قصة صلب يسوع، فيقول داود: ” جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ“. (مزمور 22: 16)

تعتبر هذه النبوات وتحقيقها مهمة جداً لفهم المسيحيين للعلاقة بين العهدين القديم والجديد. فهي تشير إلى أن حياة يسوع ورسالته لم يُقدمهما المسيحيون الأوائل كأحداث منعزلة، بل كجزء من تدابير الله التي تكشّفت على مدى زمن طويل. فيقول يوحنا الذي كان حاضراً في مشهد صلب المسيح: “وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَق، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ“.

السيد المسيح والكتاب المقدس

أظهر يسوع المسيح ثقته الكاملة في الكتب المقدسة واقتبس منها طوال خدمته. فعندما جربه الشيطان في البرية، رد عليه مراراً وتكراراً بقوله: «مكتوب» (متى 4: 1–11). فكان السيد المسيح معتمدًا على كلمة الله للرد على الشيطان ومحاربة الرغبة. كما أعلن أيضاً بأنه “لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ“. (يوحنا 10: 35) وبعد قيامته من الموت، شرح يسوع لتلاميذه كيف أن شريعة موسى والأنبياء والمزامير تشير إلى آلامه وقيامته وتحقيق مقاصد الله (لوقا 24: 44 – 47). وبالنسبة للمسيحيين، يُشكّل موقف يسوع تجاه الكتاب المقدس نموذجاً لنا. فلا ينبغي لنا أن نهمل كلمة الله ولا أن نتعامل معها على أنها مجرد مصدر من مصادر الآراء الدينية العديدة. كما ان اتباع المسيح يعني السماح للكتاب المقدس بتشكيل فهمنا لله، والخلاص، والحياة التي يدعونا إلى عيشها.

صلاة

“يا رب نشكرك لأنك أعطيتنا كلمتك وكشفت لنا مقاصدك من خلال الكتاب المقدس. امنحنا الحكمة لندرس الكتاب المقدس بعناية، والتواضع للاعتراف باحتياجنا لك، والإيمان لنثق بك. ساعدنا على أن ندرك كيف تشير قصة الكتاب المقدس بأكملها إلى يسوع المسيح، مخلصنا وربنا. فلتشكل كلمتك أفكارنا، وتغير شخصيتنا، وتجهزنا لنشارك الإنجيل بالحق والنعمة والثقة. باسم يسوع، آمين”.

 

لتحميل الكتاب المقدس

 


  هل تريد أن تعرف أكثر عن موضوعات مشابهة مجاناً؟


هل هناك موضوع يهمك أن تعرف أكثر عنه؟ اكتب لنا به.
يا صديق، نحن نريد أن نساعدك في رحلة الإيمان. الخطوة التالية هي أن ترسل لنا برغبتك في المعرفة والإيمان لنتواصل معك، فنشجعك ونصلي من أجلك. نحن نتعامل بحرص وسرية مع كل رسائل الأصدقاء