كثيرا ما نسمع في نهاية اجتماعات الكنيسة عن “البركة الختامية”، عندما يقف القائد ليعلن نهاية الاجتماع. وتوجد وعود كثيرة بالبركة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، تظهر قلب الله المنعم بالخير على عابديه والمحبين له. ولعل واحد من أشهر هذه البركات الختامية ما أعلنه الرسول بولس في نهاية رسالته الثانية لأهل كورنثوس والفصل 13 عندما قال: “نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ“. لقد تعلمنا الكثير عن نعمة الرب يسوع المسيح. فالنعمة هي هبة أو عطية مجانية من شخص سام وعال إلى شخص أقل في المركز لا يستحق هذه العطية، وإلا اعتُبِرت بمثابة أجر. الرب يسوع المسيح قدم لنا نعمة الخلاص من الذنوب عندما دفع عنا عقاب ذنوبنا. كما أننا لا نحتاج شرحا طويلاً عن محبة الله للبشر، فهو يشرق بشمسه على الجميع ويعطي الصحة والفرح والتقدم بالنجاح. ولكن ما المقصود بشركة الروح القدس في البركة التي أعلنها الرسول بولس؟ وما هي فوائدها؟
تعريف: شركة الروح القدس
كلمة شركة باليونانية (كيونونيا) كما كتبها الرسول بولس تحمل معنى المشاركة والتواصل الفعال مع العلاقة الحميمة. كعلاقة الأصدقاء ببعض. فالرسول بولس لم يكن فقط يقدم عقيدة عن الله بل علاقة حية مع روحه القدوس. فبسبب الخطايا والذنوب التي عملناها، انفصلنا عن الله القدوس، وصرنا نخشى عقابه والعذاب الأخير. ولكن الروح القدس اللطيف يأتي إلى قلب وذهن الشخص المثقل بالذنوب، ويكشف له عن حقيقة السيد المسيح – الرب المحب. الروح القدس يشهد للشخص عن ربوبية المسيح، فيساعد الإنسان على الإيمان فيعترف بأن يسوع هو ربه الحبيب لذا يقول بولس: ” وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ“. ولا يقتصر اعلان الروح القدس عن هوية الرب يسوع المسيح كرب، بل وأيضا يكشف عن عمل المسيح، فهو المخلّص من الذنوب. وعندما
يبكّت الروح القدس على خطية بوخز الضمير، يقدم المعونة في الاعتراف بالذنب والتوبة الحقيقة عنه. فالروح القدس هو روح القوة الذي يعضد المؤمن بالمسيح بالقدرة على التوقف عن الشر. وبمجرد أن يؤمن الإنسان بالرب يسوع المسيح، فإن الروح القدس يشهد في داخلنا بعلاقة جديدة مع الله، فبعد أن كنا أعداءً لله بسبب ذنوبنا، يعلن لنا الروح القدس عن علاقة وشركة جديدة مع الله فيقول: “15إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ». 16اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ“. (رومية8: 15-16).
طريقة عمل شركة الروح القدس
شركة الروح القدس في قلوبنا تمنحنا فرصة التمتع بشركة مع الله كأب لنا، وبشركة مع ابنه يسوع المسيح الفادي من منظور جديد. فنحن نتعرف عليهما بصورة حميمة ونستطيع الوثوق بهما. هذه هي بداية شركة الروح القدس معنا. نتعلم قيمة وقوة الحديث مع الله في الصلاة؛ وقد قدم لنا يسوع نموذجاً للصلاة المسيحية، والعديد من الوعود. فنشعر بالشكر والعرفان عندما يجيبنا؛ ونشعر بالحيرة عندما لا يستجيب لطلباتنا، لكن الروح يعلمنا الانتظار لأن الله غالبًا ما يعطينا شيئًا أفضل. أو يرفض طلبنا لسبب وجيه، ندركه فيما بعد. وكل هذا من خلال شركة الروح القدس.
وهناك المزيد! فعندما نقرأ الكتاب المقدس بروح الصلاة وبعناية، يوجه الروح القدس أذهاننا لنرى أشياء لم نرها من قبل. فيكشف عن حقائق، وتشجيعات، ونصائح، وأشياء ينبغي أن نفعلها، ومزيد من الوعود التي تنبض بها آيات الكتاب المقدس. الروح القدس يساعدنا أيضاً على تجديد أذهاننا ويغيّر سلوكنا ومواقفنا الحياتية بطرق جديدة
شركة داخلية
وشركة الروح القدس هي علاقة وشركة حية. يطلب الروح فيها منا أن نتعاون معه. فعند الإيمان يأتي الروح القدس ليسكن في داخلنا كمسيحين. فيبدأ الروح في تنمية خصال جديدة رائعة تعرف باسم ثمر الروح وهي: “مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ“. (غلاطية5: 22)، ليس ذلك فقط بل هو يعمل فينا كمرشد أو مشير، ومعزى. فهو يهدئ من روعنا في وقت الخوف والقلق ويملأ الفكر طمأنينة وسلام.
شركة رأسية وأيضاً افقية
لا تقتصر شركة الروح القدس على العلاقة الرأسية مع الله، بل تمتد افقياً لتشمل علاقة المسيحي بالأخرين. الروح القدس يجعل من المؤمنين بالمسيح جسداً واحداً فيه المحبة والوحدة والاهتمام المتبادل (افسس4: 3). الشركة المسيحية الحقيقية ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي شركة محبة حقيقية يخلقها الروح. فيقود الروح القدس الاخرين لتشجيعنا في الوقت الصعب وتعزيتنا في وقت الألم، وتعليمنا الكتاب وتذكيرنا بما تعلمناه. وهناك الكثير والكثير عن شركة الروح القدس لا يسعنا الوقت لسرده كله.
صلاة
“يا روح الله نحن نشكرك لأنك تعمل باستمرار في دواخلنا لنعرف المسيح أكثر ونستمتع ببركاته الكثيرة لنا. ساعدنا أن نستجيب لك وأعطنا الحساسية لقيادتك وطاعتك. شكرا لعملك الدائب فينا. أمين”
للمزيد عن معرفة شخص الروح القدس.