يعتبر العشاء الرباني واحد من أهم الممارسات التي قدمها يسوع المسيح للكنيسة. فهو ليس مجرد تقليد ديني أو لحظة تُضاف إلى خدمة الكنيسة. بل هو تذكير قوي بالإنجيل الذي هو الخبر السار بموت يسوع من أجل الخطاة وقيامته المجيدة، وعهد نعمته، ووحدة شعبه، والأمل الأكيد في عودته كملك دائم. وهذه الاحتفالية تعرَف بأسماء متعددة: عشاء الرب، العشاء الرباني، الشركة المقدسة أو سر التناول – ويعني العلامة المرئية التي يقدم الله بواسطتها وعده بالنعمة في صورة ظاهرة. فكيف يفهم، ويمارس المسيحيون هذه الفريضة – أي أمر السيد المسيح؟

العشاء الرباني هو طعام يتكون من الخبز، وشرب الكأس الذي يحوي عصير العنب. ويتم تناوله عند اجتماع المؤمنين مع بعض في شركة مسيحية. وفي رسالته الأولى لكنيسة كورنثوس والفصل 11، شرح الرسول بولس الكثير عن عشاء الرب وأهميته. وذّكر الكنيسة بالأحداث التي وقعت في حياة يسوع المسيح وأمره لتلاميذه ونحن من بعدهم. وبدراسة هذه الأحداث نحصد منفعة وبركة كبيرة في الحياة.

1- عشاء الرب هو تذكار لتضحية يسوع المسيح

بدأ بولس بتذكير أهل كورنثوس بما أسسه يسوع نفسه: “إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا 24وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» (1كورنثوس 11 :23–24). وهنا نلاحظ عدة أشياء: وقعت هذه الحادثة تزامناً مع الاحتفال بعيد الفصح اليهودي، الذي هو تذكار لخلاص الله العظيم للشعب وخروجهم من أرض مصر. – راجع كتاب الخروج 12. الفصح كان فيه موت وكسر لجسد حملٍ بذبحه، ورش دمه على قوائم الباب الخارجي وعوارضه. فجاء يسوع المسيح ليؤسس بموته الخلاص الحقيقي من عبودية الشيطان والذنوب. فيشير الخبز إلى جسد المسيح الذي بُذل من أجلنا. وكذلك يشير الكأس إلى دمه الذي سُفِك عند صلبه. فيقول يسوع: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي». آية 25

إذن الصليب هو جوهر العشاء الرباني. فعندما نأخذ الخبز ونشرب الكأس، نتذكر أن خلاصنا لم يكن رخيصاً. فقد بذل يسوع نفسه طواعية من أجلنا. فيقول بولس عن يسوع: “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا“. (رومية 4: 25). وكذلك كان ذلك تحقيقاً لنبوة إشعياء الذي كتب: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا“. (إشعياء 53: 5) ولهذا يُعيد العشاء الرباني انتباهنا باستمرار إلى المسيح وإلى ما أنجزه من أجلنا.

2- عشاء الرب هو احتفال بالعهد الجديد

في ظل العهد القديم الذي أعلنه الله لموسى، كان على الشعب تقديم ذبائح دورية للتكفير عن الذنوب التي ارتكبوها. ولكن هذه الذبائح الحيوانية لم تكن سبباً لغفران الذنوب، ولكنها كانت ظلالاً للذبيحة العظمى الكافية، وإشارة إلى المخلّص الآتي. فتنبأ إرميا بكلام الله قائلاً للشعب: «هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا…، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ.» (إرميا 31: 31- 34) وبعدها جاء يسوع وأعلن: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي»
لم يعد هناك احتياج لتقديم ذبائح وأضاحي أخرى فقد أقام يسوع العهد الجديد من خلال موته. لهذا تقول رسالة العبرانيين: “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، …وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا” (عبرانيين 9: 11- 12) ففي عشاء الرب نحن نحتفل بأن كل ذنوبنا وخطايانا التي اعترفنا بها قد كُفِّر عنها، وأنه من خلال المسيح، ننال الغفران والمصالحة مع الله، وذلك ليس بسبب أي صلاح فينا، بل بسبب ذبيحته الكاملة. وفي كل مرة نشارك في العشاء الرباني، نتذكر بأننا صرنا أبناءً لله مقبولين ومحبوبين بسبب هذا العهد الجديد الذي عمله يسوع بدمه. وياله من احتفال!

3- عشاء الرب هو تجديد للأمل واليقين

يقدم الرسول بولس إضافة أخرى لعمل العشاء الرباني فيقول: “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ“. (آية 26) فنحن لا نتذكر فقط موت مخلصنا المسيح، ولكن نتذّكر قيامته وصعوده حياً وووعده بالعودة مرة ثانية، ولأنه حي، فسوف نحيا معه في الأبدية السعيدة، وهذا حتما يملأ قلوبنا بالأمل والفرح، ليس فقط في المستقبل بل هنا والان. ففي كل احتفال بعشاء الرب نتذكّر بأن قصتنا لم تنتهِ بعد لأنه معنا الان بروحه ويوماً ما، قريباً، سيعود المسيح، وسيحتفل شعب الله معه في ملكوته. فعشاء الرب يوجه أنظارنا نحو ذلك اليوم العظيم.

4- عشاء الرب هو تحذير وانذار

لم يكتف بولس بالتعليم عما عمله المسيح من أجل المؤمنين به فقط بل قدم وسيلة عملية لنستفيد من هذا العهد الجديد. كانت هذه في صورة تحذير. فيقول: “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ“. (آية 28) فقبل أن نتناول عشاء الرب وجب أن نفحص أنفسنا: هل هناك ذنب أو معصية لم أعترف بها؟ وهل هناك خطية أسعد بها ولا أريد التوبة عنها؟ هل هناك شخص أحتاج أن أغفر له؟ أو شخصا أذنبت في حقه فأحتاج أن أطلب غفرانه! يقول بولس ان من يأخذ العشاء “بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ“. (آية 27) إذن العشاء الرباني يمنحنا فرصة للتوقف والتأمل في قلوبنا، والاعتراف بخطايانا، وتجديد التزامنا تجاه المسيح.

5- عشاء الرب هو توحيد لجميع المؤمنين بالمحبة

بما أن المسيح مات من أجل الكنيسة، فإن كل أعضاءها متساوون أمام الله. وقد شبّه بولس المؤمنين بجسد يكون المسيح رأسه. هناك أعضاء كثيرون، لكل منهم وظيفة مختلفة، ومع ذلك يشكّلون جسداً واحداً برأس واحد، وهو المسيح. لذلك، لا يمكننا الاحتفال بعشاء الرب ونحن نتمسك عمداً بالانقسام أو الكبرياء أو الازدراء تجاه إخواننا وأخواتنا. بل أن المشاركة في عشاء الرب تثبت محبتنا بعضا البعض وتزيل اختلافات الجنس والتعليم والثقافة والمركز الاجتماعي فتكون وحدة الكنيسة، شهادة للعالم من حولنا.

صلاة

يا رب أشكرك من أجل عمل الفداء الذي قدمته لي. أنا أقبله بشكر. ساعدني أتذكر رحمتك في كل مرة أشترك مع أخوتي في هذا العشاء المبارك. انظر يا الله ان كان فيّ طريقاً ملتوياً، واهدني لطريق التوبة وامنحني محبة لكل من حولي. أشكرك يا سامع الصلاة ومجيبها. في اسم يسوع، أمين”


  هل تريد أن تعرف أكثر عن موضوعات مشابهة مجاناً؟


هل هناك موضوع يهمك أن تعرف أكثر عنه؟ اكتب لنا به.
يا صديق، نحن نريد أن نساعدك في رحلة الإيمان. الخطوة التالية هي أن ترسل لنا برغبتك في المعرفة والإيمان لنتواصل معك، فنشجعك ونصلي من أجلك. نحن نتعامل بحرص وسرية مع كل رسائل الأصدقاء