
خلفية القصة
ما الذي يمكن أن يكون أقل جاذبية من تربية مريم العذراء وبيئتها! فمن المنظور الإنساني، عاشت في بلدة الناصرة الصغيرة في المنطقة الشمالية من وطنها بالقرب من بحيرة الجليل. ومن المعروف أن المنطقة المحيطة كانت مأهولة بغير اليهود. في الواقع، قال نثنائيل، أحد تلاميذ يسوع، بشكل ساخر: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» (يوحنا 1 :46) وفي وقت ظهور الملاك جبرائيل لها، كانت مريم مخطوبة لرجل متواضع الإمكانيات، نجار اسمه يوسف. والخطبة أو “كيدّشين”، وفقًا للتقاليد اليهودية، هي عقد ملزم قانونًا ولكن يمنع أي نوع من العلاقة الجنسية بين الزوجين قبل زواجهما
مريم تحكي قصتها – الزمن والأبدية يتقابلان
في البداية، وعندما ظهر لي الملاك جبرائيل وحياني بأخبار مدهشة بأن الله قد أنعم عليّ للغاية وأنه سبحانه كان معي، شعرت بالحيرة والخوف العميقين. طمأنني الملاك بأن الله ميّزني للغاية وأنه يجب عليّ أن أبتهج. ثم أعلن بيقين مطلق أنني سألد طفلاً يدعى يسوع، وهو سيكون عظيماً ويُدعى ابن العلي. كان مُخططاً لهذا الطفل أن يرث عرش الملك داود ويؤسس مملكة أبدية.
كنت دائمًا مخلصة لعقد الخطوبة الذي أبرمته لأحافظ على شرفي وطهارتي من أجل يوسف، الرجل الذي كنت مخطوبة له. لم أستطع أن أفهم كيف يمكن أن يحدث مثل هذا
بدأت أفهم أن الأبدية والزمن سيتقاطعان مع قدوم هذا الطفل، الذي تم تحديده مسبقًا ليكون كلمة الله في جسد بشري. سيخطو ابن العلي إلى عالمنا في لحظة محددة من التاريخ وسيتغير كل شيء من هذه اللحظة تباعاً، ليس فقط بالنسبة لي وليوسف، ولكن للجنس البشري بأسره. قال لي الملاك أن لا شيء مستحيل عند الله. حتى نسيبتي أليصابات، التي تقدمت كثيرًا في العمر، كان من المقرر أن تلد بأعجوبة هي الأخرى. ثم تركني الملاك لأتأمل في المجد الذي سيتم الكشف عنه، كنت مثل امرأة تنظر إلى الأفق البعيد عند أول وميض الفجر بينما تنشر الشمس أشعة نورها، فتزداد سطوعاً حتى انتصاف النهار.

دعوة للتفكير
إن بساطة وتواضع مريم وإيمانها بربها يتغلغل في أحداث هذه القصة. توُصف مريم هنا بأنها مباركة ومُفضّلة للغاية، على الرغم من أنها كانت فقيرة نسبيًا ولديها مكانة اجتماعية ضئيلة. إن تطوير الاتكال المتواضع على الله وكلمته هو مفتاح لاختبار القناعة والرضى. فبينما تتغير ظروفنا باستمرار، فإن شخصية الله وكلمته ثابته أبدياً
“يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.”
اشعياء 40: 8
بعد أن جاء الرعاة لزيارة الطفل يسوع، بعد أن أخبرتهم الملائكة عن ولادة المخّلص، قيل لنا أن مريم احتفظت بكل هذه الأشياء وتفكرت فيها في قلبها (لوقا 2: 19). وعندما
“وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، 10حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ.”
رسالة فيلبي 1: 9-10
من المستحيل علينا أن نفهم أبعاد قصة ولادة المسيح بالكامل، وهي المعروفة أيضًا باسم الميلاد. تعلمنا هذه القصة أن الله اختار أن يعلن نفسه للبشرية بدخوله إلى عالمنا في شكل بشري. نرى الله الثالوث، الذي هو ثلاثة أقانيم ولكنه إله واحد، يعمل في انسجام تام ووحدة كاملة في هذا الحدث الكوني الفريد. الله الآب يرسل بمحبة ابنه الخالي من الخطيئة إلى العالم بقوة روحه القدوس القدير. هذا السر الفريد يجب أن يلهمنا بأن نتواضع أمام الرب في خشوع وعبادة. كما تعلن الترنيمة القديمة:– دع كل البشر الفاني يصمت،
وبخوف ورجفة يتوقف ويسكت.
لا تفكروا في منطق أرضي،
حيث بالبركة في يده يعطي
إلى الأرض إلهنا المسيح تجلى
وبالإجلال والاحترام له نسعى.
(ترنيمة من القرن الرابع)


