
وفي هذا الإعلان لم يقدم المسيح صورة بلاغية أو تشبيهاً، لكنه قدم إعلاناً جديداً عن هويته الحقيقية. لقد كان هناك فهم كبير لدى شعب الله القديم عن الراعي، فقد تحدّث الأنبياء في أجزاء كثيرة في الكتاب المقدس والعهد القديم عن الراعي. فقال داود النبي: “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلَا يُعْوِزُنِي شَيْءٌ” ( مزمور 23: 1)،
وأعلن إشعياء النبي: “كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا، وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ” ( إشعياء 40: 11)
وكذلك حزقيال النبي: “لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَأَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا” ( حزقيال 34: 11)
وفي النقاط التالية يمكننا تكوين نظرة حقيقية عن إعلان المسيح عن نفسه، وما كان يقصده بقوله أنه هو الراعي الصالح:
فكلمة “أنا هو: كان تعبيراً يستخدمه الله دائمًا في العهد القديم ليبين ألوهيته. “فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ.” (خروج 3: 14)».
وبنفس الطريقة كان إعلان المسيح عن هويته في العهد الجديد بكلمة: “أنا هو” ومن هذا نفهم أن الله هو الراعي الصالح لشعبه في العهد القديم، كما انه الله المتجسد، الراعي الصالح لشعبه في العهد الجديد. جاء هذا الإعلان لنفهم أن المسيح هو الله المتجسد، وهو واحد في ذات الله مع الأب والروح القدس.
1 – لماذا تجسد الله الراعي الصالح؟
فشل الرعاة الأرضيين الذين كانوا يهتمون بأنفسهم ولم يطعموا الشعب من الغذاء الروحي الذي ائتمنهم الله عليه. لم ينقلوا وصايا الله إلى الناس بعد أن عاشوا وفقاً لها واختبروها بأنفسهم؛ بل خالفوها وأهملوا رعاية الشعب، ولذلك حلّ عليهم غضب الله وتحذيره.. “يَا ابْنَ آدَمَ، تَنَبَّأْ عَلَى رُعَاةِ إِسْرَائِيلَ، تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِلرُّعَاةِ: وَيْلٌ لِرُعَاةِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْعَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. أَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ الْغَنَمَ؟ ” (حزقيال 34: 2)
2 – الراعي الصالح يعرف خرافه.

فالمعرفة هنا ليس كما نعرف نحن أسماء بعضنا البعض، أو ننادي على البعض بأسمائهم، لكنها معرفة الشركة والملكيّة، معرفة علاقة المحبة وتبعية الشعب للراعي الصالح من القلب. والأمر الرائع في هذه العلاقة هو أن القطيع لا يستطيع أن يبتعد عن الراعي أو يغير اتجاهه لأن أعينهم ثابتة على الرب يسوع المسيح. فثقة التابعين به أقوى من أي إغراء للنظر إلى مكان آخر، ويبقى إحساسهم بالأمان والرجاء طالما استمروا في سماع صوت الراعي.
3 – الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.
عمل الراعي المستمر هو أن يرعى خرافه ويهتم بهم ويحميهم من المخاطر حتى أنه يخاطر بنفسه لحمايتهم وخلاصهم. “وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” (يوحنا 10: 11 ب)
ولكن لو كان هناك شخصاً مأجوراً ليرعى الخراف فإنه يرى الخطر أو الحيوانات المفترسة أو اللصوص فيهرب وينجو بحياته. فجاء الرب يسوع المسيح ليبحث عن الضال والتائه والمحتار والجائع والمريض، وكل من له احتياج حتى يعطيه ما يحتاج بنعمة إلهية، بينما يدفع هو ثمن كل ما أعطى من احتياج. كان الإنسان ميتاً روحياً مطروحاً بعيداً عن الله، إلا أن بذل المسيح وفداءه رفع حكم عقاب الموت. لقد مات المسيح لأجل الجميع ليعطي خلاص وشفاء من الخطية. فالراعي الصالح يبذل نفسه وكانت قمة البذل للمسيح أنه وضع نفسه للموت. “وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ، لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” ( فيلبي 2: 8، 9)
4 – الراعي الصالح يقود مسيرة الحياة.

ومن هنا نعرف أنه لن يترك شعبه بلا قيادة أو إرشاد بل هو بنفسه يقود مسيرة الحياة، فهو قدوة حسنة في المسير في الطريق ونحن نتبع خطواته.
لا يقود بإلقاء أوامر أو فرائض بل يقود بوداعة ومحبة، فهو حنون. هو قدوة لنا في الكلام والعمل، وبمسيرنا خلفه نتعلم الحكمة وحسن التصرف، إلى أن يصل بنا لبر الأمان. نحن محفوظون ومحميون في المسيح من ضلال الطريق أو من الخطر والخاطفين. فيقول السيد المسيح: “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي، وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَا يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” (يوحنا 10: 27 – 28). فهو صاحب القوة والسلطان
صديقي، هذه فرصة رائعة أنك تعرف ان الذي يدعوك ليس قائداً عادياً بل هو راعياً صالحاً، ولا أحد صالح سوى الله، فهو في المسيح تجسد لأجلك ولأجلي ليقودنا في مسيرة الحياة إلى أن نصل إلى نعيم الله، فهل تتبع وتؤمن؟ أنه يناديك لتكون من خاصته وشعبه من بذل نفسه لأجلهم وخلصهم!