لاحظت في الأيام الأخيرة انتشار عدة أفلام “أكشن” عن الثأر والانتقام. لم تعد هذه الأفلام مجرد عمل سينمائي، ولكنها صارت تعكس واقع نعيشه سواء على المستوى الفردي أو الدولي. ففي الحياة نسمع الكثيرون يقتبسون الأمثال الشعبية فيقول أحدهم: “نرد الصاع صاعين”. والصاع هو مكيال الحبوب. والمعنى هو المجازاة بمضاعفة الرد. هذا يشمل المناقشات الكلامية، ورد الاعتبار، والخصومات وقد تصل إلى حد الانتقام الجماعي. وعند هذا المستوى، يصبح مفهوم الغفران غير وارد بتاتا على الساحة. في هذه الدراسة، أود أن ألفت النظر إلى أهمية الغفران. فالغفران يكمن في صميم الإيمان المسيحي. فيسجل البشير متى في الفصل 18، تعليم السيد المسيح عن الغفران، ليس فقط من ناحية ضرورته، بل يعلمنا أيضًا مدى عمقه وثمنه وأهميته الروحية. وفي هذا الإصحاح، لا يظهر الغفران على أنه عمل خيري اختياري، بل هو السمة المميزة لمن فهموا حقًا رحمة الله.

سؤال صريح

كان السيد المسيح يعلّم في منطقة الجليل. وكان الموضوع العام عن العلاقات الإنسانية وكيف على المؤمنين به أن يتصرفوا تجاه الضعفاء، وكذلك المخطئين نحوهم. وهنا تقدم بطرس كعادته بطرح سؤال على يسوع فقال: «يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» كان يظن بأنه سخي في الغفران، فإن اليهود كانوا يعلّمون بأن الإنسان يجب أن يغفر ثلاث مرات. فتفاجأ بطرس ومن كان معه من إجابة السيد المسيح إذ قال: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ». -أي عدد غير محدود من المرات! (متى 18: 21- 22). ثم شرح يسوع ما يقصد بهذا الكم الكبير من مرات الغفران.

التباين الكبير

قدّم يسوع في شرحه لأهمية الغفران هذه القصة العميقة (يمكنك أن تقرأ هنا) وكيف غفر الملك العظيم لعبده دينه الضخم. وكيف لم يغفر العبد لزميله دينه البسيط. فكان التباين واضح ومقصود:

-الدين الأول ضخم بشكل لا يمكن تصوره

-أما الدين الثاني فهو صغير بالمقارنة.

أراد يسوع أن يعلمنا بأن خطايانا تجاه الله هي أكبر بكثير من الإساءات التي يرتكبها الآخرون تجاهنا. ومع ذلك، فإن الله، في رحمته ونعمته، يغفر لنا مجاناً من خلال ما عمله المسيح من تضحية لأجلنا.

“أولئك الذين يفهمون نعمة الغفران الإلهي حقاً، يصبحون قادرين على تقديم الرحمة للأخرين أيضاً.”

المغفرة لا تقلل من شأن الذنب ولا تنكر الألم. كان ذنب العبد الأول كبير. لكنه نال رحمة كبيرة. وصار من المتوقع ان يفعل بالمثل مع زميله المديون بالقليل، فكشف رفضه بأن يرحم زميله عن قلب لم تمسه النعمة الإلهية.

الغفران متأصل في رحمة الله

المغفرة المسيحية لا تحدث بجهد بشري. إنها تبدأ بصفات الله وما أعلنه عن نفسه وأيضا ما عمله من أجل البشر جميعاً. وفي الكتاب المقدس، يكشف الله عن نفسه باعتباره إلهاً محباً، رحيماً وغفوراً. فيقول الرسول بولس أن الله القدوس يغفر الذنوب بسبب الترتيب الإلهي لعمل الغفران. فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها. لذلك جاء المسيح إلى الأرض “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ، 8الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ“. (أفسس 1: 7- 8) فعلى الصليب، حمل يسوع دين الخطيئة الذي لم نكن لنستطيع سداده أبداً. الإنجيل هو الإعلان بأن الله يغفر للمذنبين من خلال تضحية المسيح.

“المؤمنون الذين غُفر لهم الكثير، هم مدعوون إلى أن يغفروا للآخرين أيضاً”.

صلاة

يا رب أشكرك من أجل رحمتك الكبيرة وغفرانك للكثير من ذنوبي وأخطائي. ساعدني يا رب أن أغفر للذين أساءوا لي. إن رحمتك عظيمة لا تقاس بأي رحمة يمكن أن أقدمها لمن أخطأ في حقي. فساعدني أن أسامح كما سامحتني أنت. أشكرك يا مجيب الصلاة. أمين


  هل تريد أن تعرف أكثر عن موضوعات مشابهة مجاناً؟


هل هناك موضوع يهمك أن تعرف أكثر عنه؟ اكتب لنا به.
يا صديق، نحن نريد أن نساعدك في رحلة الإيمان. الخطوة التالية هي أن ترسل لنا برغبتك في المعرفة والإيمان لنتواصل معك، فنشجعك ونصلي من أجلك. نحن نتعامل بحرص وسرية مع كل رسائل الأصدقاء