الإنجيل بحسب متى

الأناجيل

الدرس الثاني
الإنجيل حسب متى

المقدمة

في العامِ 1919، كان ألبرت، ملكُ بلجيكا، مسافراً بالقطارِ عِبْر الولاياتِ المتحدةِ. وإذ كان خبيراً في قيادةِ القطاراتِ، ارتدى ثوبَ المهندسِ وقادَ القطارَ لمِسافةِ عشرةِ أميالٍ. في المحطةِ التاليةِ، كانتِ الحشودُ الهاتفةُ تبحثُ عن الملكِ ألبرت، لكنهم لم يتمكنوا من إيجادِه. فقد توقعوا أن يبدوَ الملكُ بشكلٍ معيّنٍ، وأن يتصرفَ بطريقةٍ معينةٍ. لذلك، لم يُدركوا أن ذلك الرجلَ الطويلَ بالقميصِ القُطنيةِ وقُبّعةِ مَصلحةِ السِّكةِ الحديديةِ، هو في الواقع ملكُ بلجيكا.
من مَنظورٍ مُعيّنٍ، يُخبرنا إنجيلُ متى قِصةً مماثلةً. إنها قِصةُ ملِك – يسوع، ملكِ اليهودِ. لكنَّ الكثيرينَ في زمنِه لم يتعرّفوا إليه، إذ لم يبدُ كما توقَعَه الناسُ أن يبدوَ، ولم يتصرفْ كما توقعوه أن يتصرفَ. فقد كان مَلِكاً من نَوعٍ مُختلفٍ.
هذا هو الدرسُ الثاني في هذه السِلسِلَة حولَ الأناجيل. وقد أَعطَينا هذا الدرس عنواناً هو “الإنجيل حسب متى”، لأَن الدرس يدور حول الإنجيل الأول، كتاب متى.
تنقسم دراستنا لإنجيل متى إلى ثلاثة أقسام. أولاً، خلفية إنجيل متى. ثانياً، بنيته ومحتواه. وثالثاً، المواضيع الرئيسية في إنجيل متى. لنبدأ بخلفية الإنجيل بحسب متى.

الخلفية

يسأل الكثيرون: “لماذا أحتاج إلى أن أعرف كل هذه الأمور المتعلِّقة بسياق الكتاب المُقدَّس؟ أنا أقرأ في ترجمةٍ جيّدة للكتاب المُقدس، وأفهم ما يقصده”. وأُحِبّ هنا أن أقول، إن قراءة النص من دون اعتبارٍ لسياقه هي ذريعة لجعله يعني ما نريده نحن. لكنّ النصوص القديمة كلّها لها سياقات تاريخية وأدبية وبلاغية وأثرية ودينية متنوعة، وكلها سياقاتٌ تختلف عن سياقاتِنا. قال أحدهم مرّة: “الماضي يشبه بلداً أجنبياً”. فالناسُ في الماضي يتصرفون غير اليوم، والماضي مختلفٌ جدّاً عن الحاضر. ولكن الإجراءات التي يجب اتّخاذها ضدّ المفارقات التاريخية، أي قراءة الماضي بالاعتماد على افتراضاتنا المعاصرة، هي دراسة الكتاب المُقدَّس بحسب سياقه التاريخي.
—د. بِن ويذرينغتون

من المهم عندما نريد أن نفسّر الكتاب المُقدس بشكلٍ دقيق، أن نفهم القضايا المتعلّقة بخلفية نصّ الكتاب، مثل هوية الكاتب والسياق التاريخي، لأن المؤلِّفين يفترضون أنّهم يتوجّهون إلى قرّاء يشاركونهم ثقافتهم، وبالتالي يسلّمون جدلاً بأنهم يعرفون الكثير عن السياق الواسع لما سيكتبونه من جُمَل وتصريحات. من هنا، فإن مهمّتنا في كثيرٍ من الحالات تكون العمل على التدقيق في هويّة الكاتب وثقافته، لنحصل على رؤية جليّة من خلال ربط النص بإطاريه الثقافي والتاريخي الأوسع، فنصوّب بعض الافتراضات والأفكار التقليدية التي لم يجرِ فحصها.
—د. جيمز هاملتون

نبحث الآن في خلفية إنجيل متى من ثلاثة جوانب. أولاً، نبحث في متى ككاتب للكتاب. ثانياً، في القرّاء الأولين وثالثاً في المناسبة أو الظروف التي كتب فيها متى. لننظر أولا في مسألة كاتب هذا الإنجيل.

المؤلف

في كلِّ مرةٍ ندرسُ كتاباً، أو رسالةً، أو أيَّ نوعٍ من الكتابةِ، من المفيدِ أن نعرفَ من هو الكاتبُ. فكلما عرفنا أكثرَ عن الكاتبِ ومحيطِهِ، كلما كنا مجهّزين بشكلٍ أفضلَ لنفهمَ وُجهاتِ نظرِ الكاتبِ وقصدَه من الكتابةِ. وهذا ينطبقُ على دراسةِ الكتابِ المقدسِ. فكلما عرفنا أكثرَ عن كُتّابِ الكِتابِ المقدسِ، كلما كنا مجهّزين بشكلٍ أفضلَ لنفهمَ الدروسَ التي يعلموننا إياها. لذلك في بدايةِ دراستِنا لإنجيلِ متى، نطرحُ أولَ سؤالٍ يجبُ أن نباشرَ به وهو: “من كتبَ هذا الكتابَ؟”
سنبحث في كاتب إنجيل متى، من جهتين. أولاً، سنؤكد على الموقف التقليدي بأن هذا الكتاب كتبه الرسول متى، أحد تلاميذ يسوع الاثْنَيْ عشر. وثانياً، سنتعرف إلى سيرة متى الشخصية. لنبدأ بالموقف التقليدي الذي يعتبر أن متى هو كاتب هذا الإنجيل.

الموقف التقليدي

أعتقد أن بإمكاننا أن نؤكد بكل ثقة أنّ الرسول متى هو كاتب إنجيل متّى على الرغم من تشكيك بعض العلماء بهذه الحقيقة. نحنُ على يقين أن آباء الكنيسة في القرون الباكرة كانوا يرتابون بأَي تلاعب في المعلومات، وكانوا حريصين إلى حد كبير. فكانوا يعارضون بشكلٍ تامّ أية وثيقة مزيّفة، فلا يقبلونها كوثيقة صحيحة وقانونية، ولا يقبلونها بالتالي ضمن مجموعة الأسفار الموحى بها. ثانياً، لا توجد أي نظرية تنافس التقليد المتعلق بكتابة متّى للإنجيل الذي يحمل اسمه. التقليد الوحيد الذي لدينا هو أن متّى هو الكتاب. ثالثاً، لو أن الكنيسة الأولى رغبت بربط اسم رجلٍ بهذا الإنجيل بصورة لا تستند إلى الوقائع التاريخية، أي أن يختلقوا أي إسم أو يختاروا احد الرسل بصورةٍ عشوائيّة ويربطوه بهذا الإنجيل، لكان متّى اختياراً غير موفّق. وسبب ذلك هو أنّ متّى كان جابي ضرائب، وهذا العمل بالذات كان الشعب اليهودي يحتقره أشدّ احتقار. إذاً، لدينا إنجيل متى، هذا الإنجيل الذي وُجّه ليهود لإقناعهم بأن يسوع هو المسيح. فهل تختار الكنيسة متّى ليكون كاتب هذا الإنجيل؟ هذا غير منطقي. إذاً الكنيسة الأولى ربطت اسم متّى بإنجيل متَّى لأنّ كان لديها سببٌ وجيهٌ وقويّ للاعتقاد بأن متّى هو مَن كتب هذا الإنجيل.
—د. ستيف كوان

يعود الموقف التقليدي القائل بأن متى هو كاتب الإنجيل الأول، إلى القرون الأولى للكنيسة. ففي كل المخطوطات القديمة لهذا الإنجيل التي تحتوي على عنوان، يشير العنوان إلى متى والى متى وحده. ولا يوجد عندنا أي دليل أن هذا الإنجيل انتشر بين الكنائس دون اسم متى ككاتب له.
أحد الأوائل الذين نسبوا الإنجيل الأول إلى متى، هو بابياس من هيرابوليس. عاش بابياس في الفترة الممتدة من نهاية القرن الأول إلى القرن الثاني. وهو يعبّر عن وجهة نظر تعود إلى أقدم حقبة نعرفها في تاريخ الكنيسة.
ودوّن لنا يوسابيوس القيصري، مؤرخ الكنيسة الذي كتب حوالي عام 325 للميلاد، شهادة بابياس حول كاتب إنجيل متى في كتابه “تاريخ الكنيسة”، المجلد 3 والفصل 39 والجزء 16. استمع إلى كلمات بابياس:

وضع متى “أقوال يسوع” بترتيب منظَّم.

نرى هنا، أنه باكراً في القرن الثاني، نسب بابياس الإنجيل إلى متى. ومن الملفت للنظر أن يوسابيوس اقتبس من بابياس ليدعم موقفه بأن متى هو كاتب الإنجيل الأول.
كذلك إيريناوس من ليون، أحد أباء الكنيسة الأولين الذي كتب حوالي عام 180 للميلاد، نسب الإنجيل الأول إلى متى. استمع إلى ما كتبه في مؤلفه “ضد الهرطقات”، المجلد 3، الفصل 1 والجزء 1:

كذلك أصدر متى إنجيلاً مكتوباً بين العبرانيين في لهجتهم، بينما كان بطرس وبولس يكرزان في روما، ويضعان أسس الكنيسة.

عاش ترتليانوس بعد ذلك بقليل، بين العام 155 و230 للميلاد. وأقرّ ترتليانوس بأن متى هو كاتب الإنجيل الأول في مؤلفه “ضد مارقيون” المجلد 4 والفصل 2:

إذن، بين الرسل، يوحنا ومتى كانا أول من غرس الإيمان فينا … وقد جدّد هذا الإيمان لوقا ومَرقُس لاحقاً.

برأي إيريناوس وترتليانوس، متى هو كاتب هذا الإنجيل. وقد شاركتهما الكنيسة الباكرة قناعتهما هذه. وقُبِل متى ككاتب للإنجيل من غير أدنى شك.
من المهم أيضاً أن ندرك أن هذه الادعاءات الباكرة بكون متى كاتب الإنجيل، عزّزها الغموض النسبي الذي أحاط بمتى. فمن المفترض أنّه، لو أرادت الكنيسة، أو شخص آخر، أن يعطوا مصداقية لإنجيل ما عن طريق نسبته إلى رسول، لاختاروا أحد الرسل الأبرز. لكن نادراً ما ذُكر متى في الأناجيل. لذلك، نستبعد أن يكون وراء نسبة الإنجيل إلى متى أيُ مصلحة للكنيسة الباكرة.

أولاً، ينبغي أن ندرك أهمية شهادة شهود العيان في القرن الأول. كانت لشهادة شهود العيان قيمة كبيرة، ولم يكُن ادّعاء شخصٍ بأنَّه شاهد يُعامَل باستخفاف. كان الأمر أشبه بفئة خاصّة من الأقوال المُقدّسة عن أمور حدثت. كما نعرف أنّه في بدايات القرن الثاني قال رجلٌ اسمه “بابياس” إنّ الرسول متّى هو نفسه كاتب إنجيل متّى. ومن المحتمل أن بابياس عرف الرسل معرفةً شخصية لأنّه وُلِد في القرن الأول. السبب الأخير الذي يدعم ثقتنا بأن إنجيل متّى كُتِب بقلم الرسول متّى هو أنّه على الرغم من عدم ذكر اسم متّى في نصّ الإنجيل، فالحقيقة هي أنّ أقدم السجلات تشير إلى أن إنجيل متّى لم يتمّ تداوله بين الناس من دون ارتباط اسم الرسول به بصفته كاتبه والمرجعية الكامنة وراءه.
—ق. مايكل غلودو

بالطبع، شكّك بعض علماء النقد العصريين بكون الرسول متى هو كاتب الإنجيل الأول، كما شكّكوا في الكثير من الآراء التقليدية الأخرى حول كتّاب الكتب المقدسة. لكن قوة الشهادة القديمة التي تدعم متى ككاتب لهذا الإنجيل، بالإضافة إلى الغياب الكامل لأي اعتراضات قديمة، يشكّلان عموماً سبباً قوياً لنؤمن أن متى هو من كتب هذا الكتاب.
بعد أن تناولنا الموقف التقليدي أَن متى هو من كتب الإنجيل الأول، فلننتقل إلى سيرة متى الشخصية.

السيرة الشخصية

يذكر الكتاب المقدس بعض الحقائق حول سيرة متى الشخصية، فيرد فيه على سبيل المثال، أنه كان يهودياً وأنه كان جابياً للضرائب. سنتناول هاتين النقطتين، بدءاً من الحقيقة الأولى أنه كان يهودياً.
إن إرث متى اليهودي ظاهر في نواح عدة. فمن ناحية، هو أحد التلاميذ الاثني عشر، الذين كانوا جميعاً يهوداً. ومن جهة أخرى، كان لمتى أسماء يهودية. فاسم متى هو اسم يهودي، مشتق من العهد القديم العبري. واسمه الثاني، لاوي، وهذا نجده في مَرقُس 2: 14، وفي لوقا 5: 28، وهو اسم أحد أسباط إسرائيل. ويبرهن الاسمان أن متى كان يهودياً. كما يمكن استنتاج إرث متى اليهودي من خلال الكتابات المسيحية القديمة التي أشارت إلى أنه كتَبَ بالعبرية.
إرث متى اليهودي هو خلفية هامة لفهم الإنجيل، فهو يساعدنا على فهم سبب تشديده على الأمور اليهودية بشكل خاص. وسندرس هذه السمة اليهودية لإنجيله بتفصيل أكثر لاحقاً في هذا الدرس. لكن سنشير الآن إلى مثل واحد كإيضاح.

في متى 15: 24 ينقل لنا متى قول يسوع:

لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.

وقد شدّد متى، أكثر من الأناجيل الأخرى، على أن يسوع جاء بصورة خاصة من أجل شعب إسرائيل.
بالإضافة إلى إرث متى اليهودي، هناك ناحية أخرى في حياته يجدر بنا التوقف عندها، وهي أنه كان جابياً للضرائب.
في القرن الأول، كان العديد من اليهود في فلسطين يعملون في جمع الضرائب لمصلحة الإمبراطورية الرومانية. بعض جباة الضرائب هؤلاء، كانوا يجبون التعريفات على البضائع التي كانت تنقل من منطقة إلى أخرى. وقد كانوا بمثابة متعهدين مستقلين يدفعون للحكام مقابل منحهم الحق في جمع الضرائب. وقد جنوا أرباحهم عن طريق زيادة الضرائب التي كانوا يجبونها من الشعب. ونتيجة لذلك، نُظر إلى جباة الضرائب هؤلاء كمبتزين ولصوص – وهذه السمعة السيئة كانت مبرّرة.
لهذا السبب، كان جباة الضرائب مذنبين على نحو مضاعف في عينَي شعبهم. أولاً، بسبب تعاملهم مع قوات الاحتلال الرومانية البغيضة. وثانياً، لأنهم نهبوا شعبهم من أجل ربحهم الشخصي. في الواقع، اعتُبروا أشراراً وغير جديرين بالثقة، بحيث نقرأ في الكتابات الرابّينية القديمة أنهم منعوا من الشهادة في محكمة يهودية. بالإضافة إلى ذلك كان الكذب على جباة الضرائب مقبولاً، بل ممدوحاً كنوع من أعمال العصيان المبرّر.
استمع إلى الطريقة التي دوّن فيها متى دعوة يسوع له في متى 9: – 10:

يَسُوعُ … رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: “اتْبَعْنِي”. فَقَامَ وَتَبِعَهُ.‏ وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ.‏

كان متى غير متحيّز في وصفه لنفسه، وقد أقرّ علناً بأنه هو وجباة ضرائب آخرين عاشروا “الخطاة” في زمن المسيح. وهو بعمله هذا، وضع نفسه ووضع يسوع وإنجيله المكتوب في خلاف مع القيادة اليهودية. وهذا الانقسام معبّر عنه غالباً في إنجيل متى.
على سبيل المثال، استمع إلى الطريقة التي انتقد فيها يسوع القيادة اليهودية في متى 21: 31 – 32:

الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ،‏ لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا الْعَشَّارُونَ وَالزَّوَاني فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيراً لِتُؤْمِنُوا بِهِ.

إن استعداد متى ليتحدث علناً عن سيرته الشخصية الأثيمة، يمكن ربطه أيضاً بتشديد آخر لهذا الإنجيل سننظر فيه بعمق أكثر لاحقاً في هذا الدرس. وقد شدّد متى أكثر من كتّاب الأناجيل الآخرين على حقيقة كون يسوع ملكاً متواضعاً دعا أتباعه إلى التواضع. وعن طريق اعترافه بماضيه، أقرّ متى دون تحفظ بحاجته الشخصية إلى النعمة، وأعلن استعداده أن يتبع الملك الذي دعاه وغيّره. فقد حوّله يسوع من خادم أثيم لهيرودس، إلى خادم متواضع لإنجيل ملكوت السماوات.

التواضع في حياتنا ينبغي أن يظهر من خلال سعادتنا ورضانا بالأمور الصالحة التي تحدث للآخرين، بمقدار سعادتنا بما يحدث لنا. فحين يحقّق الآخرون تقدّماً، وعندما يُكرَّم الآخرون أو يظهر أن عملهم مثمر، يجب أن نفرح معهم. ونحن نشكر الله على ذلك، ونرغب بأن نكرمه ونشكره قبل كل شيء. نريد أن نعيش لأجل الله، وليس ببساطة لأجل أنفسنا. وهكذا، فإن التواضع ليس السعي لتحقيق مصالحنا، بل السعي قبل كل شيء لتحقيق مصالح الله ورغباته، أكان ذلك من خلالنا أو من خلال آخرين.
—د. جون ماكينلي

أما الآن، بعد أن استنتجنا بأن الموقف التقليدي يؤيد متى ككاتب للإنجيل الأول، وتعرّفنا على القليل من سيرته الشخصية، سنبحث الآن في هوية القرّاء الأولين الذين كتب إليهم متى.

القراء الأولون

لم يخبرنا متى بالتحديد من هم قراؤه الأوّلون. لكنه أعطانا بعض التلميحات إليهم. فكما سنرى، يبدو أن متى كتب بالدرجة الأولى إلى اليهود المسيحيين.
وكما أشرنا في درس سابق، فإن كل الأناجيل كُتبت في المقام الأول إلى قرّاء مسيحيين. لكن هناك بضع تشديدات في إنجيل متى، تجعله يتناسب بصورة خاصة مع قرّاء مسيحيين من خلفية “يهودية”. على سبيل المثال، اقتبس متى من العهد القديم أكثر من أي من كتّاب الأناجيل الآخرين. وأشار تكراراً إلى الطرق التي من خلالها تمّم يسوع توقعات العهد القديم. وشدّد بصورة خاصة على أن يسوع هو الملك المسيحاني الذي انتظره اليهود منذ قرون عدة. وتشديد متى على القضايا اليهودية، يَظهر أيضاً في صراعات يسوع مع قادة اليهود غير المؤمنين، التي وصفها متى بتفصيل أكثر من كتّاب الأناجيل الآخرين. كما وضع متى التركيز الأكبر على علاقة يسوع بشريعة العهد القديم، معلناً أنه رب الشريعة.
لاحقاً في هذا الدرس، سننظر في بعض هذه التشديدات بتفصيل أكثر. لكن في هذه المرحلة، سنقدّم ببساطة مَثلين يوحيان بأن متى كتب إلى قرّاء يهود، ونبدأ مع استخدام متى لعبارة ملكوت السماوات.

ملكوت السماوات

لاحظنا في درس سابق، أن موضوع ملكوت الله يوحّد بين الأناجيل الأربعة. لكن نادراً ما استخدم متى عبارة “ملكوت الله”. فهو استخدم عامة عوضاً عنها عبارة “ملكوت السماوات”. وإنجيل متى هو الإنجيل الوحيد في الكتاب المقدس الذي يستخدم هذا المصطلح. وكما رأينا، فإن للعبارتين معنى واحد.
فمن موضع التوقير لله، تجنب اليهود استخدام اسم الله، أو أي شيء يشبهه، كي لا يستخدموا اسم الله باطلاً دون قصد. وإحدى الطرق التي لجأوا إليها في هذا السبيل، هي بإحلال كلمة “السماوات” مكان اسم “الله”. وهذا تماماً ما فعله متى في عبارة “ملكوت السماوات”. وعندما نقارن المقاطع المتوازية في الأناجيل المتشابهة النظرة، نجد أنه في الوقت الذي استخدم فيه الكتّاب الآخرون “ملكوت الله”، استخدم متى عبارة ملكوت السماوات.

استخدم متّى عبارة “ملكوت السماوات” في معظم المرات في إنجيله، في حين تشير الأناجيل الأخرى إلى الأمر نفسه بعبارة “ملكوت الله”. أعتقد أنه هناك موضعين يستخدم فيهما متى عبارة “ملكوت الله”، ولكن لأن متّى كاتب يهودي، ومؤمن يهودي بالمسيح، وبالنسبة إلى ليهود، كان اسم الله مُقدَّساً جداً، لدرجة أنّه يستحسن عدم استخدامه. ولذا فإن استخدام كلمة “السماء” هي طريقة أخرى للإشارة إلى الله. نقرأ في إنجيل أخر، “أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ”. وهذا يعني، “أخطأت إلى الله”. والخطر هو أن نسمع عبارة “ملكوت السموات”، فنسيء فهمها، ونظن أنها تشير إلى أمرٍ غير ملموس وضعيف، شيءٍ لا يمكننا أن نراه، ولكن الحقيقة هي أنّه يتكلّم عن ملكوت الله، بمعنى أن الله يصير ملكاً على هذا العالم من خلال يسوع المسيح. والخطر أن نسيء فهم عبارة “ملكوت السموات”. فما يقوله يسوع هو أن الله ملك، وأنّه يصير المَلِكَ من خلاله.
—د. بيتر واكر

استمع إلى ما دوّنه مَرقُس عن مثل حبة الخردل في مَرقُس 4: 30 – 31:

وَقَالَ[يسوع]:”بِمَاذَا نُشَبِّهُ مَلَكُوتَ اللهِ؟ أَوْ بِأَيِّ مَثَل نُمَثِّلُهُ؟‏ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، مَتَى زُرِعَتْ فِي الأَرْضِ فَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ.”

استخدم مَرقُس هنا الصيغة العادية لعبارة: ملكوت الله. لكن استمع إلى رواية متى للمثل في متى 13: 31:

قَدَّمَ [يسوع] لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ قَائِلاً: “يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ.”

عندما أعاد متى رواية الحدث ذاته استخدم عبارة ملكوت السماوات حيث استخدم مَرقُس عبارة “ملكوت الله”.

حين نقارن ما يدعوه متّى “ملكوت السماوات” في مَرقُس ولوقا حيث يستخدمان عبارة “ملكوت الله”، نرى أنهما يشيران إلى الأمر نفسه، وأن العبارتين لهما معنى واحد. حين تقرأ إنجيل متّى ككل، فإنك ترى أن ثمّة موضوعاً مهماً هو المقارنة بين الله في السماء والبشر على الأرض – طريقة الله في إدارته ملكوته، الذي ندعوه ملكوت السماوات، وطريقة البشر في الحكم والتسلط والسلوك بعضهم مع بعض، وهو ما ندعوه “ممالك العالم”. وهكذا فإنّ كلام متّى عن ملكوت السماوات هو طريقة معبّرة بقوة ترينا الفرق بين أمور هذا العالم والآب السماوي الذي يحكم ويعِد بأن يأتي ثانيةً. إذاً، فإن الغاية من استخدام متى “لملكوت السماوات” هو أن يجعلنا نشعر بالفرق ونتذوَّقه بين حكم الله الذي سيأتي، وكل ما نراه من حُكْم وتسلُّط في هذه الأرض. فهناك تباين بين هاتين الحقيقتَين، ويساعدنا مصطلح متى “ملكوت السموات” في أن نشعر ونتذوّق ملكوت الله السماوي وننتظر وقت مجيئه.
—د. جوناثان بينيغتون

يعتقد العديد من الدارسين أن متى حافظ على الطريقة التي تكلم بها يسوع إلى الجماهير اليهودية، بينما استخدم مَرقُس وكتّاب العهد الجديد الآخرون عبارة “ملكوت الله” ليوضحوا لقرائهم الذين كانوا من خلفيات متعددة، ما قصده يسوع. لذلك فإن استخدام متى لعبارة “ملكوت السماوات”، تعطي وزناً أكبر للرأي القائل بأنه كتب أصلاً إلى اليهود.

العادات اليهودية

ناحية أخرى في إنجيل متى تشير إلى القرّاء اليهود، هي افتراض متى أن قرّاءه مُلِّمون جيداً بالعادات اليهودية. كمثل واحد فقط، دوّن لنا متى في 15: 1 – 2 الحدث التالي:

حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ:‏ “لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟

أشار مرقس إلى هذه القصة ذاتها في 7: 1 – 5 من إنجيله، لكنه أضاف ثلاثة أعداد شرح فيها عادة غسل الأيدي اليهودية، لكي يتمكن قراؤه الرومان من فهم هذه العادة. أما متى، فلم يشعر بحاجة قرائه إلى أي تفسير.
لكن انطلاقاً من الفرضية بأن متى كتب إلى قرّاء يهود، هناك سمة في هذا الإنجيل تبدو في غير محلها. فقد استشهد متى أحيانا بأقوال يسوع وهو يتحدث بالآرامية، ثم ترجم تلك الكلمات الآرامية إلى لغة قرائه.
على سبيل المثال، استمع إلى كلمات متى في 27: 46:

صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: “إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟” أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ ‏

يوجد تفسيرات مختلفة عن أسباب كتابة متى بهذه الطريقة إلى قرّاء يفترض أنهم في المقام الأول يهود. أولاً، على الرغم من أن قراءه الأولين كانوا يهوداً، فهذا لا يستبعد غير اليهود. من هنا، قد تكون إضافة الترجمة لأجل غير اليهود من القرّاء. ثانياً، قد يكون بين قرّاء متى أشخاص يعيشون خارج فلسطين ولا يعرفون الآرامية. وثالثاً، قد يكون متى بكل بساطة نقل هذه المعلومات من مصدر آخر. على سبيل المثال، ترجمة متى في 27: 46 وردت أيضاً في مرقس 15: 34، التي قد يكون متى نقل عنه.
على كل الأحوال، قوة الأدلة تؤيد أن متى كتب إنجيله بالدرجة الأولى إلى يهود مسيحيين، ليقوّي إيمانهم بيسوع، عن طريق معالجة عدة قضايا كانت مهمة بالنسبة إليهم.
والآن، بعد أن عرضنا مسألتَي كاتب الإنجيل الأول وقرّائه، بتنا مستعدين أن نبحث في مناسبة الكتابة.

المناسبة

عندما نتحدثُ عن “مناسبةِ” الكتابِ، تتبادرُ إلى ذهنِنا أمورٌ عديدةٌ تتعلقُ بالخلفيةِ التاريخيةِ – أمورٌ مثلَ تاريخِ الكتابةِ، مكانِ الكتابةِ، موقعِ القُراءِ الذين تسلّموا الكتابَ، والقصدِ من الكتابةِ. إن معرفةَ متى، وأينَ، وإلى من، ولماذا كُتِبَ الكتابُ، تعطينا الكثيرَ من المعلوماتِ حولَ خلفيتِهِ. وتساعدُنا هذه المعرفةُ على فَهمِ المُحيطِ التاريخيِّ، ومَعاني المُفرداتِ، والمُعتقداتِ الدينيةِ والاجتماعيةِ، والأساليبِ البلاغيةِ. كما تُساعدُنا هذه المعلوماتُ على فَهمِ الكِتابِ وتطبيقِه.
سنتأمل في ثلاث نواحٍ لمناسبة كتابة إنجيل متى: أولاً، تاريخ الكتابة. ثانياً، مكان الكاتب والقرّاء عند كتابة الإنجيل. وثالثاً، القصد الذي من أجله كتب متى إنجيله. فلنبدأ بتاريخ إنجيل متى.

التاريخ

أولاً، كما يعتقد معظم الدارسين، اعتمد متى على الأرجح، على إنجيل مرقس كأحد مصادر إنجيله. وكما سنرى لاحقاً في هذا الدرس، من المحتمل أن يكون مَرقُس قد كُتب حوالي عام 64 للميلاد. وفي حال كان هذا صحيحاً، يكون التاريخ الأبكر لكتابة متى، هو على الأرجح بين منتصف الستينيات وأواخرها.
ثانياً، كان متى رسولاً ليسوع، ما يعني أنه كان راشداً عندما انخرط في خدمة يسوع، على الأرجح قبل عام 30 للميلاد. وما لم يكن متى قد عاش حياة طويلة غير اعتيادية، فإن التاريخ الأبعد لكتابة إنجيله سيكون في أواخر القرن الأول.
وهذا يعطينا فترة زمنية واسعة نوعاً ما للزمن الذي كتب فيه متى. لكن يمكننا أن نضيّق هذه التواريخ المحتملة ضمن هذه الفترة الزمنية عن طريق التنبه إلى تفصيل محدّد في كتابة متى. أشار متى مراراً إلى الهيكل بالتحديد، وكذلك إلى الصدوقيين، الذين كانوا على صلة وثيقة بالهيكل. بعض هذه الإشارات يشير إلى أحداث ماضية، لكن بعضها يدل على أن الهيكل والصدوقيين كانوا ما زالوا عوامل تأثير في الزمن الذي كتب فيه متى. ولما كان الهيكل قد دمّر عام 70 للميلاد، يمكننا أن نستنتج من هذه الإشارات أن متى كتب قبل عام 70 للميلاد.
على ضوء كل هذه الأدلة، يبدو أن أفضل استنتاج هو أن متى كتب إنجيله في أواخر الستينيات، ربما حوالي 67 أو 68 للميلاد. طبعاً، لا يمكننا الجزم في هذه المسألة. ففي الوقت الذي تساعدنا معرفة التاريخ التقريبي لكتابة الإنجيل، فإن عدم معرفة التاريخ الدقيق ليست، لحسن الحظ، أساسية بالنسبة إلى تفسير تعاليمه.
والآن بعد أن نظرنا في تاريخ كتابة الإنجيل، دعونا ننتقل إلى السؤال حول مكان الكاتب والقرّاء.

المكان

يجب أن نبدأ بالإشارة إلى أن الدارسين اختلفوا حول مكان تأليف هذا الإنجيل، لذا يجب أن لا نكون جازمين في استنتاجاتنا. لكن مع ذلك، هناك عدد من التفاصيل الجديرة بالذكر.
في البداية، بما أن متى كتب إنجيله إلى يهود مسيحيين، فعلى الأرجح أنه وجّه إنجيله إلى مجموعة تعيش في منطقة يتواجد فيها عدد كبير من السكان اليهود. وفلسطين هي احتمال واضح، فهي الوطن التقليدي لليهود، وهم كانوا يتواجدون بكثافة هناك.
لكن يوجد أيضاً أعداد هامة من اليهود في أجزاء من سورية. وأغناطيوس، الذي كان أسقفاً في أنطاكية سورية، كان أول آباء الكنيسة الذين أظهروا إلماماً بإنجيل متى. لهذا السبب، زعم عدد من الدارسين أن متى كتب إلى المؤمنين في أنطاكية سورية.
وبالطبع، لا يمكننا استبعاد إمكانية أن يكون في ذهن متى عدد أوسع من القرّاء، أي أنه كتب إلى المسيحيين اليهود عامة، في كل حوض المتوسط.
ففلسطين وسورية وأي منطقة أخرى داخل الإمبراطورية الرومانية يتواجد فيها يهود بأعداد هامة مهمّة، يمكن أن تكون مكاناً مناسباً لقرّاء إنجيل ذي طابع يهودي قوي مثل متى.

في القرن الميلادي الأول، كان الشعب اليهودي منتشراً في أجزاء عديدة من العالم الروماني، وكذلك في المناطق الشرقية منه. ويعود ذلك إلى زمنٍ بعيد – إلى فترة السبي البابلي، حين بدأ اليهود يعيشون خارج أرض فلسطين. وقد استمرّوا في سكنهم هناك في أقصى الشرق، أي في بلاد الرافدين، العراق حالياً، ثم ارتحلوا إلى دمشق في سوريا، ومن ثمّ تشتّتوا – من هنا جاءت التسمية يهود الشتات، حيث انتشروا أكثر نحو الغرب، نحو أسيا الصغرى، تركيا الحالية ووصلوا حتى إلى روما. فسكن اليهود على ضفاف نهر التايبر في روما. ولا ننسَ أنهم سكنوا في شمال أفريقيا أيضاً. فنقرأ في الأناجيل عن سمعان القيرواني الذي أتى إلى أورشليم من شمال أفريقيا. إذاً تخيل معي: سكن اليهود في كل النّصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية وإلى الشرق منها.
—د. بيتر واكر

والآن بعد أن عرضنا تاريخ ومكان كتابة إنجيل متى، دعونا نتحدث عن القصد من كتابته.

القصد
بصورة عامة، كتب متى لأن القصة الحقيقية حول من هو يسوع وما فعله كانت مهمة إلى حد بعيد. لكن كانت لمتى أيضاً أهداف مباشرة ومحدّدة أكثر. فقد كتب بصورة خاصة إلى اليهود المسيحيين ليغذّي إيمانهم بيسوع كملكهم المسيحاني.
في الوقت الذي كَتب فيه متى، كان اليهود المهتدون إلى المسيحية مرفوضين بشدة من قبل السلطات اليهودية، وغالباً من قبل أصدقاء سابقين، ومن أفراد عائلاتهم. ويوضح لنا كتاب أعمال الرسل، أنه في عالم البحر المتوسط في ذلك الزمن، كان الاضطهاد نهج حياة بالنسبة إلى اليهود المسيحيين.
وكما نقرأ في أعمال الرسل 8: 1:

وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ.

وبسبب الاضطهاد، لا شك في أن اليهود الذين تبعوا يسوع بصفته المسيح الموعود واجهوا تجربة العودة إلى حياتهم السابقة، والتخلي عن المسيحية. ولمواجهة هذه التجربة، كتب متى إليهم ليذّكرهم بأن يسوع هو المسيح الموعود الحقيقي الذي جاء بملكوت الله. وإنجيله هو قصة تشجيع وتعزية، لكنه أيضاً قصة تحدٍّ، لأن يسوع لم يأتِ بملكوت الله بالطريقة التي توقعها الكثيرون، وقد كانت متطلبات الملكوت عظيمة.
في هذا الإطار، أعاد متى طمأنة قرائه بأن يسوع بدأ يتمّم توقعات العهد القديم بملكوت مسيحاني. لكن في الوقت عينه، ملكوت الله لم يتحقق بالكامل بعد. لذلك كتب متى أيضاً ليشجّع المؤمنين من اليهود ليبقوا أمناء إلى حين عودة الملك نفسه ليصحّح كل شيء – إلى الوقت الذي سيسحق فيه يسوع أعداء الملكوت، ويرحّب بدخول شعبه الأمين إلى ملء بركات الملكوت.
لهذا السبب غالباً ما يشير متى إلى موضوع ملكوت السماوات. في الواقع، استخدم متى كلمتَي “ملك” و”ملكوت” أكثر من 75 مرة في إنجيله. بينما استخدمهما كتّاب الأناجيل الآخرون مجتمعون أقل من 110 مرات. فقد رأى متى أن الطريقة الأفضل لتشجيع القرّاء اليهود وحثّهم، هي من خلال إخبارهم قصة ملكهم المسيحاني وملكوته.

نجد في إنجيل متّى تشديداً كبيراً على ملكوت السماوات. يبدأ متّى إنجيله بسلسلة نسب يسوع، وذلك بقصد أن يُظهِر أن يسوع هو الوريث الشرعي، الملك الداودي. الملك الداودي هو يسوع الناصري. وقرّاء متى، قراؤه الأولون، كانوا على ما أظن، في المقام الأول يهوداً. ولذا، هذا الكتاب كان يقول للناس: “هذا هو ملككم الشرعي”. ويشدّد متى على ملكوت السماوات في إعلانه الملموس المُعلَن في هذا الإنجيل، حيث يشير “ملكوت السماوات” إلى حكم المسيح على كل الناس في كل المجالات. إنّها مسألة سلطة. كثيراً ما سأل الفريسيون والصدوقيون يسوع: “بأي سلطان تعمل هذا؟” وينتهي الإنجيل بكلمات يسوع: “دُفِع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض”. وفكرة الملكوت هذه تتجاوز فكرة الملك الداودي القومي الذي كان الشعب يتوقّعه وينتظره. وبالتالي ما يصرّح به متّى هو أن المسيح ملك على كل إنشٍ مُربَّع في الخليقة.
—د. جيم ميبلز

الآن وقد درسنا خلفية إنجيل متى، دعونا ننتقل إلى بنية هذا الإنجيل ومحتواه.

البنية والمحتوى

يتفقُ الدراسون الى حدٍّ بعيدٍ حولَ بعضِ الميزاتِ البارزةِ في بُنيةِ إنجيلِ متى. وهذا يعودُ إلى حقيقةِ أن متى أعطانا مِفتاحاً مساعداً. ففي خمسةِ مواضعَ مختلفةٍ يستخدمُ متى عبارةً مماثلةً: “فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ”، لينتقلَ إلى موضوعٍ جديدٍ رئيسيٍّ في الإنجيلِ. وترِدُ مثلُ هذه العبارةِ أحياناً في نهايةِ قِسمٍ مُعيّنٍ، وفي أحيانٍ أخرى عند بدايةِ قسمٍ جديدٍ. لكنها تشيرُ دائماً إلى الانتقالِ إلى موضوعٍ جديدٍ.
وعن طريق اتباع معالم البنية هذه، يتفق معظم الدارسين أن إنجيل متى ينقسم إلى سبعة أجزاء. هناك خمسة أجزاء رئيسية محدّدة من خلال التصاريح الانتقالية في متى 7: 28، و11: 1، و13: 53، و19: 1، و26: 1. كما ضمّن متى إنجيله برواية تمهيدية، ورواية ختامية.
• يبدأ الإنجيل برواية تمهيدية تظهر يسوع كالملك المسيحاني من متى 1: 1 – 2: 23.
• يصف التقسيم الرئيسي الأول إنجيل الملكوت من متى 3: 1 – 7: 29.
• ويركّز التقسيم الرئيسي الثاني على انتشار الملكوت من متى 8: 1 – 11: 1.
• ويدوّن التقسيم الثالث الرئيسي آيات وأمثال الملكوت من متى 11: 2 – 13: 53.
• يركز التقسيم الرابع الرئيسي من سجل متى على الإيمان والعظمة بدءً من 13: 54 – 18: 35.
• يتناول التقسيم الرئيسي الخامس والأخير المعارضة الحالية للملكوت والانتصار المستقبلي للملكوت من متى 19: 1 – 25: 46.
• أخيراً، هناك خاتمة تروي قصة موت الملك وقيامته من متى 26: 1 – 28: 20.

ويدعم كل جزء من أجزاء إنجيل متى هذه، قصة يسوع، الملك المسيحاني الذي جاء بملكوت السماوات إلى الأرض.
دعونا نلقي نظرة عن قرب على كل من هذه الأجزاء، بدءاً من مقدمة متى الفصل الأول والعدد الأول إلى الفصل الثاني والعدد الثالث والعشرين.

تمهيد: الملك المسيحاني

تعرّفنا مقدمة إنجيل متى إلى يسوع كالملك المسيحاني، وتنقسم إلى قسمين: سلالة النسب وقصة الطفولة.

سلالة النسب
ونجد سلالة النسب في متى 1: 1 – 17. من الناحية التقنية، العدد الأول هو بمثابة مقدمة أو عنوان، فيه لخّص متى نقطته الرئيسية، أي أن يسوع هو ملك إسرائيل المسيحاني.
نقرأ في متى 1: 1:

كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ.

وضع متى، منذ البداية، تشديداً خاصاً على داود ملك إسرائيل، وعلى إبراهيم أب الشعب اليهودي.
بعد هذه الجملة الافتتاحية، تبدأ سلسلة النسب في العدد 2. فبحسب متى 1: 17، فإن سلسلة النسب موزعة على ثلاثة أقسام، يتضمن كل منها أربع عشرة سلالة يبدأ القسم الأول، بعهد الله مع إبراهيم الذي وعده فيه بأن يحكم نسله العالم.
أما القسم الثاني، فيبدأ مع الملك داود ووعد الله له بأن يتمّم عهده مع إبراهيم عن طريق تثبيت مملكة داود للأبد. وينتهي القسم الثاني بسبي شعب الله من أرض الموعد بسبب خطيّتهم وكسرهم للعهد.
أما القسم الثالث من سلسلة النسب، فيمتد من السبي إلى ولادة يسوع. فالشعب اليهودي كسر عهد الله ووقع تحت لعنات العهد. لكن الله استمر في قصده ببركة إسرائيل، عن طريق تحقيق الوعود التي قطعها لإبراهيم وداود. ملوك إسرائيل السابقون فشلوا، لكن ها ملك إسرائيل الأخير، الذي سيحقق مصير إسرائيل، قد جاء أخيراً.
وتنتهي لائحة جدود يسوع في متى 1: 16، حيث نقرأ هذه الكلمات:

وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.

بهذه الطريقة، برهن متى أن ليسوع الحق الشرعي الكامل ليتبوأ عرش داود من خلال أبيه يوسف.

كان ينبغي أن يكون المسيح من نسل داود لأن هذا ما نصّ عليه الإعلان النبوي بشكلٍ أساسي. هذا ما تمّ التنبّؤ به. فمن البداية، من كتاب التكوين، حيث تعلن النبوة أن المُلك سيكون من سبط يهوذا. طبعاً، هذه نبوةٌ تمّت في الملك داود نفسه، الذي كان أعظم ملوك إسرائيل. وكان كل ملك بعدَه يُقارَن ويُقاس به إما إيجابياً أو سلبياً. ولدينا طبعاً العهد الذي قطعه الله مع داود نفسه. فحين اقترح داود على ناثان النبي أن يبني بيتاً – هيكلاً للرب، عندها عاد ناثان إليه وقال له: “لن تبني أنتَ بيتاً للرب، لكن الرب سيبني بيتاً لك”. وقد قصد بكلمة “بيت” طبعاً سلالةً ملكية. كما في 2 صموئيل 7 النبوّة بأن الرب سيبني لداود بيتاً، وسيؤسّس مملكته إلى الأبد، وبأن واحداً من نسله سيملك على عرشه إلى الأبد. وقد صارت هذه النبوة أساس النبوّات المسيحانية التي أُعطيت لاحقاً. ولذا، حين كان الأنبياء يتكلَّمون عن سلالة داود وعن المملكة الداودية، لا سيما بعد انهيار المملكة، كانوا يشيرون إلى الرجاء بأن الله سيعيد أمجاد السلالة الداودية. ولذا من خلال نسل داود سيقيم الله ملكاً. وهكذا، كان ينبغي أن يأتي الملك، المسيح، من نسل داود.
—د. مارك ستراوس

وتلي سلالة نسب يسوع، قصة الطفولة.

قصة الطفولة

تمتد قصة طفولة يسوع من 1: 18 – 2: 23. وهذا الجزء موجز إلى حد ما – 31 عدداً بالمقارنة مع 116 عدداً في إنجيل لوقا. وقصْد متى في هذا الجزء محدّد تماماً. فقد صمَم كل واحد من المقاطع الخمسة القصيرة لتركيز الانتباه على حقيقة رئيسية واحدة: يسوع، المسيح الموعود، قد ولد. ويخبرنا كل مقطع قصة وجيزة، ثم يشرح لنا كيف تمَّمت تلك القصة توقعات العهد القديم عن المسيح.
من بين أكثر الأمور تشويقاً التي نتعلمها من قصة طفولة يسوع، هو عدم وجود أب بشري ليسوع. لكن بدلاً من ذلك كان الله أباه – حرفياً. فالروح القدس جعل مريم تحبل بيسوع رغم كونها عذراء.
صحيح أن بعض منتقدي المسيحية أشاروا إلى أن الميلاد العذراوي يشكّل ضعفاً في سلالة نسب يسوع، فهو لم يكن من نسل يوسف حسب الجسد، الذي من خلاله استحق عرش داود. لكن توجد حقيقة معترف بها، وهي أن سلالات النسب، مثل 1 أخبار الأيام 1 – 9، تتتّبع غالباً سلالات النسب من خلال آباء بالتبني.
علاوة على ذلك، كون يسوع هو ابن الله، فهو إلهٌ كاملٌ. وهذا يعني أنه كان قادراً على حفظ عهد الله بالتمام. الملوك البشر العاديون لم يطيعوا أبداً عهد الله بالتمام. لذلك، لم يتمكنوا أبداً من أن يرثوا بركات العهد الكاملة التي وعد بها الله إبراهيم وداوُد. لذلك، أرسل الله ابنه الكامل ليكون ملكاً، لكي يضمن حفظ عهده، وبالتالي تتحقق وعوده بالبركة.

من الواضح تماماً أن المسيح الموعود كان سيأتي كإنسان من نسل داود، وهذا يتضمَّن حقائق هامة كثيرة. ولكن من المهم أن ندرك أن المسيح الموعود ينبغي أن يكون إلهاً – وأن يحمل الطبيعة الإلهية. ما هو السبب؟! السبب الجوهري هو أنّ مشكلتنا نحنُ البشر أمام الله هي أننا أخطأنا إليه. ينبغي أن يقدِّم هو الجواب – ينبغي أن يقدّم الحلّ. مشكلة الغفران التي نريد في بعض الأحيان أن نتكلم عنها هي أنّ خطيّتنا أمام الله ليست أمراً يمكننا التغاضي عنه. ليست خطيتنا أمراً يمكننا أن نقول بشأنه: “وضعي جيد في مقياس الله،” أو “إني ابذل جهدي.” والله إله قدوس. الله بار وعادل. لا يمكننا ببساطة أن نتجاهل خطيتنا، فهذا إنكار لله نفسه. ولذا، حتّى يغفر لنا الله، ينبغي أنْ يتمّ هذا بمبادرة منه. ينبغي أن يقدّم هو الحل للوفاء بكل مطالبه العادلة والبارّة. الله ينبغي أن يقدِّم الحل. وهذا يظهر بشكلٍ متكرِّر في العهد القديم. انظر، مثلاً، يونان 2: 9: “للرّبّ الخلاص”. لا بُدّ أن يسُدّ الله نفسه الحاجة. الله نفسه هو مَن يقدّم الحل. الله نفسه هو مَن يغفر. ولذا، وليتحقَّق الخلاص من خلال المسيح الموعود، ينبغي لهذا المسيح أن يمثّلنا. ولذا ينبغي أن يكون بشراً، كما ينبغي أن يكون الرّب – الرّب الذي يأتي – الرّب الذي يخلِّص – الرب الذي يفي بمطالب قداسته وبرّه. ما يقتضي أن يكون المسيح الموعود إلهاً.
—د. ستيف وِلَم

قدّم متى في مقدمة إنجيله، يسوع كالملك المسيحاني. الابن الملكي لداود الذي نال كل بركات الله التي وعد بها إبراهيم وشعب إسرائيل. بهذه الطريقة، هيأ متى المسرح للأخبار السارة المدهشة التي هي موضوع بقية هذا الكتاب.
تتبع المقدمة، التقسيمات الأدبية الرئيسية الخمس للإنجيل. كل تقسيم من هذه التقسيمات الخمس مؤلف من قسمين: قسم روائي يصف فيه متى ما فعل يسوع، وأتبعه بقسم تعليمي فيه يذكر متى ما قاله يسوع.

إنجيل الملكوت

يروي التقسيم الرئيسي الأول لإنجيل متى قصة إنجيل ملكوت السماوات. ويمتد هذا الجزء من متى الفصل الثالث والعدد الأول إلى الفصل السابع والعدد التاسع والعشرين.

أتى المسيا

يبدأ القسم الروائي في متى 3: 1 وينتهي في 4: 25. هنا، أعلن متى أن الملك المسيحاني قد أتى، وقد أحضر ملكوت السماوات إلى الأرض.
القسم الأول الروائي هو متى 3: 1 – 12، حيث أعلن يوحنا المعمدان أن مسيح الله سيأتي قريباً ويعمّد شعب الله الأمين بالروح القدس. ولمدة 400 سنة، كان الروح القدس غير نشيط نسبياً في إسرائيل بسبب دينونة الله على شعبه المعاند. أما الآن، فكما تنبأ أنبياء العهد القديم، ها يوم جديد على وشك البزوغ، فيه ينسكب روح الله.
ويستمر القسم الروائي مع معمودية يسوع من متى 3: 13 – 17. في هذا الحدث، نزل الروح القدس على يسوع، ماسحاً إياه لخدمته المسيحانية، وأعلن الآب من السماء: “هذَا هُوَ ابْني” مطبّقاً على يسوع اللقب الملكي من المزمور 2: 7.
في الصوت الإلهي تلميح أيضاً إلى العبد المتألم في إشَعياء 42: 1 – 2. فعن طريق وصف يسوع “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ”، كان يسوع الملك المسيحاني، لكنه مَلكٌ من نوع آخر. فهو سيتمّم دعوته عن طريق الألم.
أما في القصة التالية من القسم الروائي والتي نجدها في متى 4: 1 – 11، تحدى الشيطان التزام يسوع بالقيام بدوره كالملك المسيحاني المتألم. ثلاث مرات، أغرى الشيطان يسوع ليكون مسيحاً من دون ألم، وما قاله له في الأساس هو: “لا تختبر الجوع مثل البشر. أدهِش الناس ليؤمنوا بك دون أن تتألم. سُد على الأمم من دون عذاب”. لكن في المرات الثلاث، رفض يسوع الطريق السهل الذي أنكر دوره كمسيح متألم.
ثم في متى 4: 12 – 17، بدأ يسوع خدمته المسيحانية العلنية بالكرازة بإنجيل الملكوت.
استمع كيف لخّص يسوع رسالته في متى 4: 17:

مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: “تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ”.

يذكر متى، أن الأخبار السارة التي كرز بها يسوع أعلنت اقتراب ملكوت السماوات، أي أنه من خلال خدمته، كان يسوع على وشك أن يأتي بملكوت السماوات إلى الأرض. وهذا الملكوت كان متوفراً لجميع الذين يتوبون عن خطيّتهم ويتبعون يسوع كملك.

“ملكوت السماوات” مُصطلح يُستخدَم في إنجيل متّى، وفي إنجيل متّى وحده، كتعبير مرادف لـملكوت الله. وأنا أتفق مع معظم الدارسين بأنه لا يوجد فرق بين هذين المُصطلحين. وحقيقة أنّ يسوع يصف الملكوت بأنه قريب أو اقترب، كما في بعض الترجمات، تشير إلى أن حُكْم الله في نهاية الزمان، قد بدأ بمعنى ما، في شخص يسوع وعمله. ولكنّه أيضاً، بمعنى آخر، ينتظر الاكتمال. والكلمة المستخدمة “تحقيق” هي تصلح لأن تصف ما سيحدث في المجيء الثاني ليسوع. وهكذا، فإن المؤمنين يعيشون، إن استخدمنا لغةً تقنية في وجودٍ “جدلي”. فإحدى قدمي المؤمن في الطرف الخاص بملكوت الله، ولكنّ قدمه الأخرى في الطرف الذي لم يتحقق بعد في ملكوت الله. وقدرٌ كبير من تحدي التلمذة المسيحية هو التداول في أمور الحياة وقراراتها وفي طريقة تفكيرنا بالحياة. وما معنى أن ملكوت السماوات قد تحقّق الآن إلى حد ما، ومعنى أنّه لم يُستعلَن تماماً بعدُ.
—د. ديفيد باور

حين انطلق يسوع يكرز من قريةٍ إلى قرية بالإنجيل معلناً: “توبوا لأن ملكوت الله قد اقترب”، كان في الحقيقة يقول بضعة أمور. فكان أولاً يقول إنّه فيه ومن خلاله ملكوت الله حاضر، في وسطهم. وهذا أمرٌ أراهم إياه بتعليمه الذي كان بسلطان، وبإخراج الأرواح الشرّيرة وممارسة سلطانه عليها، وكذلك من خلال خدمة الشفاء. وهكذا، فإن الأمر الأوّل الذي كان يسوع يقوله هو أن الملكوت وسلطان المَلِك حاضران فيّ، هنا في وسطكم. ولكن الأمر الآخر الذي كان يقوله هو أن الملكوت آتٍ. فالملكوت ليس حاضراً هنا بملئه وكماله، ولكن في وقتٍ ما في المستقبل، سوف يكون ملء حكم الله مرئياً للجميع. هذا ما كان يسوع يقصده حين كان يقول إن ملكوت الله قريب. وهكذا، فإن يسوع بدعوته الناس إلى التوبة لأن ملكوت الله اقترب، كان يدعوهم في الحقيقة للخضوع للمَلِك. فبخضوعهم وطاعتهم، بل دعني أقول حرفياً باتّباع الملك فكانوا يُضَمّون أو كان يُعاد ضمُّهم إلى شعب العهد مع الله. هذا هو نوع الخضوع للملك الذي يُشار إليه بالتوبة.
—د. غريغ بيري

في متى 4: 18 – 22، دعا يسوع تلاميذه. وهذه الصورة هي صورة الملك المسيحاني وهو يجنّد قادة ملكوته.
بعد ذلك، في متى 4: 23 – 25، استعرض متى مقدماً الجزأين التاليين من الإنجيل. فقد أعلن أن يسوع طاف في كل الجليل يعلّم ويشفي الجموع. وتصف لنا 5 – 7 تعليم يسوع، بينما يصوّر لنا 8 – 9 شفاءه.
والآن بعد أن نظرنا في رواية متى حول إنجيل الملكوت، لننتقل إلى الخطاب المرافق الموجود في متى 5: 1 – 7: 29.

الموعظة على الجبل

هذا الخطاب يُسمى عامة الموعظة على الجبل. في هذا الخطاب، يصف يسوع الحياة البارّة لمواطني الملكوت. وهو يشير صراحة إلى الملكوت سبع مرات، وتتمحور الموعظة بكاملها حول هذا الموضوع.
شدّد يسوع مرة تلو المرة، على أن تحديات البر هي أعظم بكثير مما تصوره قادة اليهود. كما شدّد أيضاً على أن أب مواطني الملكوت السماوي، هو أقرب إليهم وأكثر استعداداً ليباركهم مما تصوروا. وهذا الاتحاد بين هاتين الفكرتين التوأمين يعطي الموعظة سمتها المميزة.
خذ على سبيل المثال تعليم يسوع عن الزنا في الموعظة على الجبل. علّم يسوع أن شريعة الله تتطلب أكثر مما قد يُستدل من قراءة سطحية، وأكثر مما علّمه معلمو اليهود عامة.
استمع إلى ما قاله يسوع في متى 5: 27 – 28:

قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ.‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.

عندما أشار يسوع إلى ما “قيل”، كان يتحدث عن التفسيرات الشائعة للكتب المقدسة بين معلمي اليهود في عصره. بعض هؤلاء المعلمين علموا أن وصايا العهد القديم حَرّمت الزنا، لكنهم فشلوا في معالجة القضية الأكثر أهمية، قضية القلب البشري. لكن يسوع أشار إلى أمر اعتُبر صحيحاً حتى في زمن العهد القديم وهو: الله غير مهتم بضبط السلوك الخارجي فقط، بل هو يريد أن تبدأ الطاعة من القلب.

أحياناً نحن ننظر إلى العهد القديم كما لو أنه في تناقض مع العهد الجديد، فنظن أنّ الله في العهد القديم طالب بعلاماتٍ خارجية، إذ أراد أن يختتن شعبه، وطلب الذبائح، وأن تُحفَظ أيّامٌ خاصّة، وأن ذلك كان نوعاً من التعبيرات الدينية الخارجية. بينما ننظر إلى العهد الجديد بأنّه ديانة القلب – فالله يريد قلوبنا، يريد عواطفنا. ولكنّ هذا ليس صحيحاً، برأيي. فحين ننظر عن قرب إلى نصوص العهد القديم، خاصّة الأنبياء. مثلاً كما قال النبي يوئيل: “مزّقوا قلوبكم لا ثيابكم”، وهذا تصريح مباشر ضد الديانة الخارجية. فالله لم يطلب التعبيرات الدينية الخارجية فقط، بل أراد قلوبهم ودواخلهم – وأرادهم كما هم على حقيقتهم. وأيضاً في المزمور 103، حيث يقول: “بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ”. فكاتب المزمور يدعو هنا شعب الله ليباركوا الله، وليعبدوا الرب بكل كيانهم وبكلّ مشاعرهم. من هنا، الفكرة بأن العواطف أمرٌ يخصّ العهد الجديد وأنّ الديانة القلبية ليست أمراً يخصّ العهد القديم، هي فكرة لا تأخذ في اعتبارها كامل حقيقة علاقة العهد بين الله وشعبه في العهد القديم.
—د. مارك غينيليت

وتشديد يسوع على الطاعة النابعة من القلب، قاده إلى وصف مواطني الملكوت “بـودعاء” في 5: 5، و “بـالجياع والعطاش إلى البرّ” في 5: 6، و “بـأنقياء القلب” في 5: 8. طبعاً، عرف يسوع أنه لا يمكن لأتباعه أن يتحولوا إلى هذا النوع من المواطنين إلا عندما يأتي ملكوت الله بكل ملئه. لكنه مع ذلك حضّهم أن يكونوا أبراراً الآن. استمع إلى ما قاله يسوع في متى 5: 48:

فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.

إلى حد ما، من المستحيل إتمام هذه الوصية – فلا أحد كامل مثل الله. لكن يجب ألّا يقودنا ذلك إلى اليأس. بل بالعكس تماماً، فقد أعطانا يسوع وعداً كريماً، مشجّعاً. ففي كل موعظته، طمأن أتباعه المؤمنين بأن ملكوت السماوات هو لهم بالفعل.
على سبيل المثال، نجد في التطويبات الموجودة في متى 5: 3 – 10، ثماني بركات. والتطويبات الست في الوسط تَعِد بأن البركات ستُنال في المستقبل عندما يأتي ملكوت الله بكل ملئه. لكن البركتَين الأولى والأخيرة تختلفان، فقد أعلن يسوع أن شعبه قد سبق ونال بركتَي الملكوت هاتين.
استمع إلى الطريقة التي ذكر فيها يسوع هذه البركات في متى 5: 3، 10:

“طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.‏… طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.

التحدي الحقيقي الكبير الذي يواجهنا في إتباع يسوع، يوازيه وعد كبير بأن قوة ملكوت الله تعمل الآن على تحويلنا إلى مواطنين أبرار في ملكوته.
في القسمِ الرئيسيِّ الأولِ من إنجيلِه، شدّد متى على إنجيلِ الملكوتِ من خلالِ لَفتِ الانتباهِ إلى الهدفِ من خدمةِ يسوعَ ورسالتِه. كان يسوعُ الملكَ المسيحانيَّ الذي أتى بمَلكوتِ السَماواتِ إلى شعبِ اللهِ. وقد علّمهم عن قوةِ ذلك الملكوتِ التي تغيّرُ الحياةَ، ووعدَهم بأنهم في حالِ كانوا أُمناءَ، سيرثون بركاتِ الملكوتِ العظيمة، عندما يأتي بِملئِه

انتشار الملكوت

يتناول التقسيم الرئيسي الثاني لإنجيل متى انتشار الملكوت. وهو يمتد من متى الفصل الثامن والعدد الأول إلى الفصل الحادي عشر والعدد الأول.

معجزات يسوع وردود الأفعال

ويمتد القسم الروائي الذي يتناول انتشار الملكوت من متى 8: 1 – 9: 38. وهو يتألف من قصص عن معجزات يسوع وردود فعل أشخاص مختلفين عليها.
ويتألف هذا القسم الروائي من أحد عشر قسماً من ضمنها: يسوع والأبرص في 8: 1 – 4، وغلام قائد المئة في 8: 5 – 13، وحماة بطرس في 8: 14 – 17، والعاصفة في 8: 18 – 27، والمجنونان في 8: 28 – 34، والمفلوج في 9: 1 – 8، وجباة الضرائب والخطاة في 9: 9 – 17، وصبية وامرأة في 9: 18 – 26، وأعميان في 9: 27 – 31، ومجنون آخر في 9: 32 – 34. ثم ينتهي هذا القسم بتصوير حنان يسوع في 9: 35 – 38.
ولا يسمح لنا الوقت سوى بتقديم بعض الملاحظات حول هذه الأحداث في حياة يسوع. فقد مارس يسوع سلطانه على المرض بشفائه الأبرص في 8: 1 – 4، وغلام قائد المئة في 8: 5 – 13. وحماة بطرس في 8: 14 – 17، والمفلوج في 9: 1 – 8، والمرأة نازفة الدم في 9: 20 – 22، والأعميين في 9: 27 – 31.
كما أنه أعاد صبية ميتة إلى الحياة في متى 9: 18 – 26، مبرهناً أن له القدرة والسلطان حتى على الموت نفسه. وقد برهن يسوع تحكمه بالطبيعة من خلال تهدئته العاصفة في متى 8: 23 – 27.
بالإضافة إلى ذلك، أثبت يسوع سلطانه على مملكة إبليس عن طريق طرد الشياطين من شخصَين كانا يعيشان بين القبور في متى 8: 28 – 34، ومن شخص أخرس في 9: 32 – 34. وتشكل دعوة متى ليكون تلميذاً تمهيداً لقسم أكبر في التعامل مع رفقة يسوع لجباة الضرائب والخطاة في 9: 9 – 17. وقد دعا يسوع متى إلى التخلي عن حياته كجابي ضرائب إلى بدء حياة جديدة. ويعتبر هذا التغيير معجزة في حد ذاته. فهذا التحول في حياة جباة الضرائب والخطاة كان مذهلاً لدرجة جعلت متى ينتقل مباشرة إلى وليمة يسوع مع جباة الضرائب والخطاة، ودفعته إلى شرح أسباب فرحهم.
بالإضافة إلى تركيزه على سلطان يسوع، لفت متى أيضاً الانتباه إلى ردّة فعل الجموع تجاه سلطان يسوع. ببساطة، لقد اندهشوا. ونرى هذا في أماكن مثل متى 8: 27، 34، و9: 8، 26، 31، 33. وقد قادتهم دهشتهم هذه في معظم الأحيان، إلى معارضة يسوع.
بعضهم عارض يسوع ببساطة بعدم الإيمان به. آخرون، لا سيما القادة اليهود، انتقدوه علناً. آخرون خافوه، كما نقرأ في متى 8: 34. آخرون ارتعبوا وصُدموا، كما نقرأ في متى 9: 3. أحياناً، كانت معارضتهم ليسوع عن حسن نية، كما في متى 9: 14- مع أنها تبقى خاطئة. وأحياناً عارض الناس يسوع لأنهم رفضوا بإرادتهم ما عرفوا أنه حق، كما حصل في متى 9: 34. مع الأسف، أَخذت معارضتهم ليسوع تتسع أكثر فأكثر مع استمرار خدمة يسوع.

ربما أحد أعظم الأمور المحيّرة حين ندرس العهد الجديد هو رفض اليهود للمسيح، رغم أنهم رأوا معجزاته بعيونهم. تقول الأناجيل مراتٍ كثيرة إنّ الناسَ كانوا يندهشون ويتعجّبون من أعمال يسوع. وحين نفكّر بالأمر ونسأل: “لماذا تعجبوا هكذا؟” نجد الجواب في متّى 22: 29، حيث قال يسوع إنهم كانوا يَضلّون لأنهم لا يعرفون الكتاب ولا قوة الله. في ذلك السياق، كان يسوع يتوجه إلى الصدوقيين، ولكن يمكن قول الأمر ذاته عن الفرّيسيين، معلّمي الشريعة. فقد علّموا الناس تعاليم خاطئة. وقد تشكّلت توقُّعات الشعب حول المسيح الموعود من خلال التعليم الخاطئ. وفي هذا درساً عظيماً لنا اليوم. فالذين أساؤوا التعامُل مع كلمة الله وعلّموا الناس تعاليم خاطئة، زرعوا في الناس توقّعاتٍ خاطئة. وأظنّ أن هذا هو الوضع عند شعب إسرائيل في القرن الأول. فقد توقّعوا أن يأتي المسيح، وكان لديهم إحساسٌ بالتفوّق القومي، إن جاز التعبير. وعندها، أتى يسوع. ومع أنّه عمل أشياء لم يروا مثلها لا قبله ولا بعده، لكنهم رفضوه، لأن هجوم قادة الشعب على يسوع المسيح كان يهدف دائماً إلى إظهار بطلان معجزاته. وصفوه بأنه في حلفٍ مع الشيطان، وكانت هذا تفاسيرهم خاطئة. وآسف أن أقول إن عقوداً وأجيالاً من التعليم الخاطئ، هاجم فيها أصحاب السلطة الدينية المسيح، ما قاد في النهاية إلى إبعاد قلوب كثيرين من الشعب عن يسوع المسيح رغم المعجزات التي رأوها.
—د. جيم ميبلز

ختم متى هذا القسم الروائي حول معجزات يسوع الخارقة في 9: 35 – 38 بوصف عبَّر فيه عن تحنن يسوع على الجموع. استمع إلى رواية متى في 9: 36 – 38:

وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا.‏ حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ».

فهم يسوع أن أحد الأسباب التي لأجلها لم يقبله الشعب كملك، كان بسبب سوء معاملة قادتهم لهم، والتعليم الرديء الذي تلقّوه منهم. لكنه عرف أيضاً أن معجزاته كانت تليّن قلوبهم، وتجعلهم ميّالين إلى إتباعه. لذلك أوصى يسوع تلاميذه أن يصلوا لكي يقيم الله مبشرين وقادةً أبراراً يأتون بالضالين إلى ملكوت الله على الأرض، ويعلمونهم كيف يصبحون مواطنين أبراراً.

رسل الملك

بعد أن استعرضنا رواية متى حول انتشار الملكوت، لننتقل إلى الخطاب الموازي في متى 10: 1 – 11: 1. يركّز هذا الخطاب على التلاميذ كمبعوثين أو رُسل الملك.
ردّ يسوع في هذا الجزء على التحدي الذي وضعه في خاتمة الرواية السابقة، بعد أن طلب من أتباعه أن يصلوا إلى الله ليقيم مبشرين وقادة. وسّع يسوع خدمته الشخصية في الملكوت عن طريق منحه السلطان لتلاميذه الاثني عشر وإرسالهم ليعلنوا حضور الملكوت بالكلمة والعمل، تماماً كما فعل هو.
وكما نقرأ في متى 10: 7 – 8، فوضهم يسوع قائلاً لهم:

وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ.‏ اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصاً. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ.‏

أعطى يسوع تلاميذه الكثير من التحذيرات قبل أن يرسلهم. فالحياة لن تكون سهلة عندما يقتدون بيسوع. فالعالم لن يكون لطيفاً معهم وسيتألمون ويُسخر منهم ويُعتقلون ويُقتلون.
لكن يسوع وعدهم أيضاً بأن يُبارك أبوهم السماوي خدمتهم، وينالوا في النهاية حياة الملكوت. استمع إلى الطريقة التي طمأن فيها يسوع تلاميذه في متى 10: 39:

مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.

كان تلاميذ يسوع على وشك التخلي عن حياتهم السابقة في سبيل تعليم يسوع وخدمته الشفائية. لكن يسوع طمأنهم بأنهم سيجدون حياة الملكوت الحقيقية برفقة الملك يسوع نفسه.
رأينا في هذا القِسمِ الرئيسيِّ الثاني للإنجيلِ، كيف وصفَ متى انتشارَ الملكوتِ من خِلال القُواتِ التي صنعها يسوعُ، والوصايا التي أعطاها إلى تلاميذِه. وهذا يُوفّرُ لنا مِثالاً لخِدمتِنا الخاصةِ في الكنيسةِ في عصرِنا. ونحن إذ نَعتمدُ على قُوةِ يسوعَ، ونَخْدُمُه كتلاميذٍ أمناء، سيبني يسوعُ ملكوتَه من خلالِنا، ويكافئُنا بالبركاتِ السماويةِ.

الآيات والأمثال

ويكمّل التقسيم الرئيسي الثالث من إنجيل متى عرض قضايا الملك وملكوته من خلال الآيات والأمثال، ونجد هذا التقسيم في متى الفصل الحادي عشر والعدد الثاني إلى الفصل الثالث عشر والعدد الثالث والخمسين.

الآيات وردود الأفعال

وتركّز رواية متى على الآيات التي صنعها يسوع وعلى ردود الفعل على آياته، وتمتد من 11: 2 – 12: 50. وقد برهنت هذه الآيات أن الملك وملكوته كانا حاضرَين وقتها، وصحّحت التوقعات الخاطئة حول نوع الملكوت. ونتيجة لذلك فإن الانتقاد الذي كان قد ابتدأ، صار ينمو وينتشر.
تنقسم هذه السلسلة من الأحداث إلى خمسة أجزاء: في 11: 2 – 19، أكد يسوع ليوحنا المعمدان أن آياته تبرهن على أنه المسيح الموعود الذي يتمّم نبوات العهد القديم، ودعا يسوع الجموع للتجاوب مع آياته بتوبة إلى الله. في 11: 20 – 30، وجه يسوع كلامه إلى المدن التي صنع فيها آياته، فحذّر غير التائبين وقدّم الراحة للذين يقبلون إليه. فقد أعلن في متى 11: 30:

‏لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ.

في 12: 1 – 21، بدأ متى بالإشارة إلى بضعة أحداث ركزت صراحة على ردّات فعل الفريسيين على آيات يسوع. أولاً، ذكر كيف تجادل يسوع مع الفريسيين حول قصد الله من السبت، وبرهن على سلطانه بشفاء رجل يوم السبت. وقد علّم يسوع أن السبت هو لشفاء الناس وخلاصهم.
في 12: 22 – 37، اتهم الفريسيون يسوع باستخدامه سلطان بَعْلَزَبولَ، في الوقت الذي كانت الجموع مندهشة من معجزاته. وبدل أن يقبلوا يسوع كالمسيح، اعتقد معلمو الشريعة أنه مسكون من الشيطان.
في 12: 38 – 50، طلب منه الفريسيون بسخرية آية أخرى، لكن يسوع حذرهم بأنهم لن ينالوا سوى آية يونان. وما كانت آية يونان؟ لقد أدَّى خروج يونان من بطن الحوت بعد ثلاثة أيام إلى كرازة التوبة إلى أهل نينوى. هكذا ستؤدِّي قيامة يسوع في اليوم الثالث من القبر إلى توبة العالم.
ويذكر متى حادثة تبين أن أقرباء يسوع الحقيقيين هم المؤمنون به لا أقرباؤه في الجسد، وذلك في متى 12: 49 – 50، عندما قال له بعضهم إن أمَّك وإخوتك في الخارج يسألون عنك؟ فأشار يسوع إلى من حوله يصغون إلى تعاليمه وقال:

هَا أُمِّي وَإِخْوَتي.‏ لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي.‏

والآن بعد أن نظرنا في رواية متى حول الآيات التي صنعها يسوع، لننتقل إلى تعليم يسوع عن أمثال الملكوت في متى 13: 1 – 53.

أمثال الملكوت

يدون لنا متى أمثال يسوع الشهيرة في خمسة أجزاء: مثل الزارع في 13: 1 – 23، ومثل الزوان في 13: 24 – 30، ومثلَي حبة الخردل والخميرة في 13: 31 – 43، والكنز المخفي واللؤلؤة في 13: 44 – 46، ومثل الشبكة في 13: 47 – 53. وقد أراد يسوع بهذه الأمثال تصحيح المفاهيم الخاطئة التي فسرت ملكوت الله.
في بعض الأمثال – كمثل حبة الخردل في 13: 31 – 32، والخميرة في العدد 33، والكنز في العدد 44، واللؤلؤة في 45 – 46 – علّم يسوع أن ملكوت السماوات له قيمة فائقة ويجب أن نسعى إليه بأي ثمن. قد يبدو هذا الملكوت قليل القيمة في البداية، لكن في يوم من الأيام سيظهر بكل مجده.
لكن يسوع علّم أيضاً أمثالاً أخرى ركّزت على فشل إسرائيل في قبول الملك يسوع وملكوته. ففي مثل الزارع وتفسيره في متى 13: 1 – 23، أوضح يسوع أنه يوجد العديد من العقبات أمام الإيمان، وأن معظم الناس سيرفضون الملكوت.
وتتعزز هذه الفكرة في مثل الزوان في الأعداد 24 – 30 و36 – 43، وفي مثل الشبكة والأعداد 47 – 51. فقد علّم يسوع أن الكثيرين سيرفضون الملكوت، وأنهم سيهلكون في النهاية. وكانت هذه الأمثال بمثابة تحذيرات واضحة للذين عارضوا يسوع، ووفرت فرصة لغير المؤمنين كي يتوبوا، ويصيروا أتباعاً أمناء للملك الحقيقي.

أتى المسيح، وتمّم النبوءات، وحقق ملكوته، لكنه ما زال ينتظر بلوغ ذروته. ونحنُ المؤمنين ندخل الملكوت، لكننا نحتاج إلى أن نعيد بشكلٍ منتظم تقييم حياتنا وتقييم أولوياتنا، فنتوب عن عدم اتّباعنا إيّاه كما يجب، ونحرص أن نسعى بكل إخلاص إلى عيش حياتنا بحسب إرادته هو وليس بحسب إرادتنا نحن. فثمة حاجة مستمرّة للتوبة وللاعتراف، فنأتي إليه كنبينا، وأيضاً ككاهننا وملكنا، نأتي إليه كالشخص الذي نسعى أن نتبعه ونخدمه بطريقةٍ تتمِّم مقاصده لنا في هذا العالم.
—د. ستيفين وِلَم

ينبغي أن نشجّع المؤمنين أن يطلبوا ملكوت الله ويتوقوا لمجيئه. وذلك لعدة أسباب: أولاً، في البعد الشخصي: سلطان ملكوت الله هو قوتنا في الحياة. إنّه يحفّزنا على أن نخضع لله ونحيا حياةً تتمحور حوله حتى يظهر سلطان الله في حياتنا، ويصير هو هدف حياتنا الروحية. ثانياً، نحتاج إلى أن ندرك مفهوم ملكوت السماوات في ضوء تاريخ الفداء، أي أن نفهم كيف بدأ ملكوت السماوات، وندرك أنه يُعلِن ويتمّم خطة الله في الفداء. ثم نرى أن تعاليم ملكوت السماوات توحّد العهدين القديم والجديد. فهما يساعداننا على أن نرى خطة إلهنا الفادي الشاملة فنفهم بسهولة قصده الشامل. ثالثاً، يخلق ملكوت السماوات نظرة كونية كتابية صحيحة، وهو يساعدنا أن ندرك أن كلّ شيءٍ ينتمي إلى الله. فسيكتمل ملكوته، وسيدين ويقضي على كل القوى الشريرة في الأرض، لأن الله نفسه هو الملك المُطلَق. وهكذا، لا نعود نحيا لأنفسنا. فعلينا أن نهتم بجيراننا ومجتمعنا وبخير هذا العالم كله. ينبغي أن ننتبه إلى الأشياء القريبة أو البعيدة عنا ونهتم بها. ينبغي أن ننخرط في المجتمع، ونعمل على إجراء تغيير في كل نواحيه. فهذا هو واجبنا.
—د. ستيفين تشان

الإيمان والعظمة

أما التقسيم الرابع الرئيسي لإنجيل متى فيركّز على الإيمان والعظمة ويبدأ في متى 13: 54 ويستمر إلى 18: 35. ويبين هذا القسم ما معنى أن تكون تلميذاً أميناً ليسوع، وترتقي إلى العظمة في ملكوته.

رفض الإيمان بيسوع

ويمتد القسم الروائي في هذا الجزء من 13: 54 – 17: 27 ويتضمن ثلاثة عشر حدثاً قاوم فيها بعضهم أن يضعوا ثقتهم بالمسيح باستثناء امرأة واحدة.
وتركز الحادثة الأولى والثانية على مناسبتين فيهما تم رفض الإيمان بيسوع كلياً. الأولى عندما جاء يسوع إلى مسقط رأسه الناصرة في 13: 54 – 58 فجيرانه السابقون لم يشكوا في قدرته على صنع المعجزات، لكنهم مع ذلك استاءوا منه ورفضوه. ونقرأ في 13: 58 أن أهل الناصرة لم يعاينوا معجزات كثيرة بسبب عدم إيمانهم.
بعد ذلك نقرأ في 14: 1 – 12 عن هيرودس وموت يوحنا المعمدان. استحق هيرودس دينونة الله بسبب ما فعله بيوحنا. ولكن أكثر من ذلك، كما يبيّن لنا العدد الأول، لم يشك هيرودس بالأخبار التي سمعها عن معجزات يسوع، بل إن مستشاريه ظنوا أن يسوع هو يوحنا المعمدان الذي عاد من الموت ليضايق هيرودس.
أما الأحداث الثلاثة التالية فتركّز على تلاميذ يسوع وكيف كانوا بحاجة إلى أن ينموا في الإيمان. ونجد في متى 14: 13 – 21 قصة إشباع يسوع الخمسة آلاف. طلب يسوع من التلاميذ أن يُشبعوا الجموع التي تبعته لكن في العدد 15 شك تلاميذه وتذمروا لأن عندهم القليل من الطعام. فبرهن يسوع سلطانه بتكثير طعامهم وإشباعه الخمسة آلاف حتى فضل عنهم الطعام.
في 14: 22 – 36، مشى يسوع على الماء. في البداية أظهر بُطرس ثقة بيسوع بخروجه من السفينة، لكن بطرس شك عندما رأى الخطر وبدأ يغرق في البحر. ثم بعد أن أنقذه، انتقده يسوع في العدد 31 بقوله: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟”‏
وتخبرنا 15: 1 – 20 عن نزاع نشب بين يسوع والفريسيين. هنا طلب بطرس من يسوع أن يفسّر له أمراً بسيطاً قاله يسوع. فأجاب يسوع مستنكراً “هَلْ أَنْتُمْ أَيْضاً حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟”‏
في 15: 21 – 28، نجد للمرة الأولى في هذه الأحداث إنساناً يؤمن بيسوع بثبات، هي المرأة الكنعانية التي سكن ابنتها روح شرير. وهي على خلاف الآخرين، توسلت إلى يسوع لكي يساعدها. وفي العدد 28، وافق يسوع على طلبها وقال “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!” بعد ذلك عاد متى للتحدث عن إيمان التلاميذ الضعيف.
في 15: 29 – 39، تحدث متى عن معجزة إشباع الأربعة آلاف. في العدد 33 سأل التلاميذ أين يمكنهم أن يجدوا ما يكفي من طعام، على الرغم من أنهم سبق ورأوا يسوع يشبع الخمسة آلاف.
في 16: 1 – 12 تحاجج يسوع مع الفريسيين والصدوقيين. والتفت فجأة إلى تلاميذه وحذّرهم من “خمير الفريسيين”، فظنوا أنه مستاء منهم لعدم جلبهم معهم خبزاً. لكن يسوع ذكّرهم بالأوقات التي كثّر فيها الخبز للآلاف ووصف تلاميذه في العدد 8 بقوله: “يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ”.
بعد ذلك يروي متى حدثين مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، يقعان في 16: 13 – 20. الأول: إعلان إيمان بطرس الشهير بالمسيح الذي يرد في العدد 16: “أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!”. ومدح يسوع إيمان بطرس وباركه.
لكن من جهة أخرى، في العدد 21 – 27، وبخ يسوع بطرس بشدّة. فقد ابتدأ يسوع يخبر تلاميذه بأنه ذاهب إلى أورشليم ليتألم ويموت. وعندما اعترض بطرس، أجاب يسوع بقساوة في العدد 33: “اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ!”. وعلل يسوع توبيخه، بأن بطرس كان هنا يفكر مثل الناس وليس مثل الله. بعد هذا التوبيخ نأتي إلى تجلي يسوع في 17: 1 – 13. عندما عاين التلاميذ يسوع في مجده، أرادوا أن يقيموا مظال في المكان. لكن يسوع ذكرهم في العدد 12 أن مجده الحقيقي سيظهر فقط بعد موته وقيامته.
في 17: 14 – 23، نقرأ عن شاب يسكنه الشيطان. وقد حاول تلاميذ يسوع أن يخرجوه ولم ينجحوا. بعد أن طرد يسوع الشيطان قال لهم في العدد 20: “إيمانكم ضعيف جداً”.
أخيراً في 17: 24 – 27 جاء الجباة إلى تلاميذ يسوع وسألوهم إن كان يسوع قد دفع ضريبة الهيكل. فأجاب بطرس بسرعة وعلى الأرجح بسبب الخوف وقال إنه دفع. ثم جاء لاحقاً إلى يسوع طلباً للمال فقام يسوع بتسديد المبلغ عن طريق صنع معجزة شارحاً لبطرس أنه لا توجد حاجة للقلق.
أشار متى إلى الذين رفضوا يسوع والمرأة الكنعانية المؤمنة، لكن تشديده الرئيسي كان على حاجة تلاميذه لينموا في إيمانهم به.
مرة أخرى عاد متى إلى استخدام القصص في وصفه تعليم يسوع في 18: 1 – 35. ويركز هذا التعليم على العظمة الحقيقية في عائلة ملكوت الله، تلك العظمة التي تأتي من الخدمة المتواضعة بين الأخوة والأخوات في ملكوت الله.

العظمة في عائلة الله

في القسم الأخير من الفصل السابق، ميّز يسوع أتباعه بدعوتهم أبناء الله، أبناء الملك. وقد قاد هذا التعريف متى إلى أن يبدأ هذا الجزء من الإنجيل بسؤال رئيسي. فكما نقرأ في متى 8: 1:

فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟

وأجاب يسوع عن هذا السؤال بالمزج بين التعليم والإيضاحات والأمثال في أربعة أجزاء رئيسية. أولاً، في 18: 2 – 4، حث يسوع تلاميذه على العيش بتواضع مثل الأولاد الصغار.
أمام المعارضة المتزايدة من أعدائه، علّم يسوع تلاميذه كيف يعيشون في ملكوت السماوات كأولاد لله. وعرف أن التحقيق المستقبلي للملكوت لم يأت بعد. كما عرف أن الصراعات مع الأعداء والخطية ستكون جزءاً من حياة أولاد الله.
وفي الأعداد 5 – 14، علمهم أن يعتنوا بالضعيف كما اعتنى أبوهم السماوي بالخروف الضال. استمع إلى كلمات يسوع في متى 18: 10، 14:

اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ… لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ.

وقد بنى يسوع على هذه الفكرة في متى 18: 15 – 20، حيث طالب أتباعه أن يتعاملوا فيما بينهم كأفراد في عائلة الله، حتى وإن شوشّت الخطيّة علاقاتهم. وألحّ عليهم في الأعداد 21 – 35 أن يسامحوا “الأخ” الذي أخطأ بالطريقة ذاتها التي سامحه فيها الآب السماوي.
يستمرُّ مجدُ اللهِ بالنموِّ في يومِنا هذا، لأن اللهَ مُستمرٌ بالقيامِ بأعمالٍ عظيمةٍ وبإنماءِ ملكوتِه على الأرضِ. لكن كما هي الحالُ في زمنِ المسيحِ، فإنَّ نموَّ الملكوتِ غالباً ما يواجَهُ بالمقاومةِ المتزايدةِ ضدَّ اللهِ. لكنَّ الحمدَ للهِ، فهو يُعطينا مواهبَ ثمينةً عديدة تُعينُنا في صراعِنا مع المَشقاتِ والتجاربِ. ومن بينِ هذه المواهبِ: الصبرُ والسلامُ، وكذلك حضورُه المباشِرُ معنا. وإحدى المواهبِ المميّزةِ جداً، هي عِلاقتُنا مع اللهِ بصفتِه أباً لنا. فهو يهتمُ بنا ويحمينا، ويتفهمُ ضَعفاتِنا ويتعاطفُ معنا. كما أنه يُعطينا عائلةً بشريةً تخدُمُنا وتحبُنا، فالكنيسةُ هم إخوتُنا وأخواتُنا في عائلةِ الله.

المعارضة الحالية والانتصار المستقبلي

موضوع التقسيم الخامس الرئيسي في إنجيل متى هو المعارضة الحالية لملكوت السماوات، والانتصار المستقبلي. ويمتد هذا القسم الروائي من 19: 1 – 22: 46، ويظهر فيه كيف واجه يسوع معارضة قوية في هذه المرحلة من حياته.

المعارضة الشديدة

وتنقسم هذه الفصول إلى ثلاثة أجزاء رئيسية وِفقاً لتجوال يسوع. ونقرأ في 19: 1 – 20: 16، عن المعارضة التي واجهها يسوع في اليهودية. هناك تناول سؤال الفريسيين عن الطلاق. كما كان عليه التعامل مع المعارضة المتزايدة بسبب سوء الفهم لمسألتَي الغنى والسلطة.
سبق ورأينا في إنجيل متى، بداية مرحلة التوتر بين يسوع والقادة اليهود. وقد أخبرنا متى في هذا الجزء أن العداوة وصلت إلى ذروتها. على سبيل المثال، سأل الفريسيون أحياناً أسئلة تهدف إلى إيقاع يسوع في الفخ، كما في متى 19: 3 – 9؛ 21: 16، 23؛ و22: 15 – 40.
وكمثل واحد فقط لمقاومة الفريسيين ليسوع، استمع إلى تقرير متى في 22: 15:

ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ.

كذلك كان يسوع يتحدّى القادة اليهود أحياناً. ونرى هذا في مثل الابنَين والعمل في الكرم، ومثل وليمة العرس من 21: 28 – 22: 15.
لكن الصراع لم يقتصر فقط على المواجهة الكلامية، بل تعداه أحياناً إلى مواجهة مباشرة وقوية، كما حصل عندما قلب يسوع موائد الصيارفة وطردهم من الهيكل في متى 21: 12 – 16. لا سيما كلماته القاسية في ويلاته السبعة التي نطق بها في 23: 13 – 35.
استمع إلى الطريقة التي وبّخ فيها يسوع الفريسيين في متى 23: 15:

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِداً، وَمَتَى حَصَلَ تجعلونه ابْناً لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفاً.

بالطبع لم يكن يسوع والقادة اليهود الشخصيات الوحيدة في هذه الفصول. فعداوة القادة اليهود تفاقمت من خلال الطريقة التي استمرت فيها الجموع بإكرام يسوع في المناسبات مثل دخوله الظافر في 21: 1 – 11.
شجّع يسوع في كل هذا الجزء تلاميذه ليروا هذه المواجهة على حقيقتها. في متى 19: 27 – 30، وعدهم بأنهم في يوم من الأيام سيجلسون معه في المجد. لكن في 20: 17 – 19، حذّرهم أيضاً أن تلك الأيام المجيدة ستأتي فقط بعد أن يذوق الموت.
علاوة على ذلك، أكد يسوع أن تلاميذه سيدخلون الأمجاد بعد حياة من الذل والعذاب. وشدد يسوع على هذه النقطة في ثلاث مناسبات مختلفة. في متى 19: 30 قال يسوع:

وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ، وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ.

ثم في متى 20: 16 قال:

هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ.

وردّد ذلك في متى 20: 26 – 28 عندما قال:

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيماً فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِماً،‏ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْداً، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.

وقد بدا ملكوت يسوع غريباً. فأتباعه سيتألمون، وملك إسرائيل نفسه سيقتله شعب إسرائيل. والخسارة الظاهرية سيتبعها انتصار.
أما الجزء الثاني من تنامي المعارضة فيتضمن ذهاب يسوع إلى أورشليم في 20: 17 – 34. فقد أوضح يسوع أنه ذاهب إلى أورشليم ليتألم ويموت. وواجه يسوع اعتراضاً فقط من أم لتلميذين طالبت بالسلطة لولديها في الملكوت. ثم رحبت الجموع بيسوع في أورشليم بينما كان يتمم نبوة من العهد القديم حول دخوله الظافر.
في الجزء التالي، من 21: 12 – 22: 46، واجه يسوع معارضة بينما كان يدخل إلى أورشليم والهيكل ويخرج منهما. وقد طرد الصيارفة ونطق بالأمثال وحذر من دينونة لله القادمة. علاوة على ذلك، تجادل يسوع مع القادة الدينيين حول قضايا لاهوتية مثل دفع الضريبة إلى قيصر، وقيامة الأموات، وأعظم الوصايا ومسألة ابن من هو المسيح الموعود. وقد أبلى يسوع بلاء حسناً في كل هذه القضايا بحيث نقرأ هذه الكلمات في متى 22: 46:

فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً.‏

والآن بعد أن نظرنا في رواية متى حول تعاظم المعارضة في وجه ملكوت السماوات، لننظر الآن إلى الخطاب الذي رافقها.

الانتصار المستقبلي

ويمتد هذا الجزء من متى 23: 1 – 25: 46. ويصف يسوع هنا الانتصار المستقبلي لملكوت السماوات.

يبدأ هذا الجزء بالإعلانات عن الويلات السبعة ضد خصوم يسوع في متى 23: 1 – 38. ويركّز هذا الخطاب بصورة خاصة على الفريسيين، وتعليمهم المضلل، وسوء معاملتهم لشعب الله، وريائهم.
وقبل أن يختم خطابه، لخص يسوع مشاعره نحو أورشليم بهذه الطريقة في متى 23: 37 – 38:

يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!‏ هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً.

أما الجزء الثاني من تعليم يسوع وهو يظهر في 24: 1 – 25: 46 يُسمى غالباً الخطاب على جبل الزيتون، لأن يسوع كان على جبل الزيتون عندما ألقاه.
يمكن أن نقسم الخطاب على جبل الزيتون إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: في 24: 4 – 28، وصف يسوع آلام ولادة هذا الجيل الغريب الذي جاء فيه ملكوت السماوات إلى الأرض، لكنه لم يظهر بعد في ملء مجده وقوته.
ثم من 24: 29 – 31، تكلم يسوع عن ملء الملكوت منبئاً باليوم الذي سيأتي فيه ابن الإنسان على السحاب ويأتي عندها ملكوت السماوات بكل مجده وقوته.
ثم من 24: 32 – 25: 64، حضّ يسوع شعبه على ترقب يوم مجيئه المجيد باحتراس لأن لا أحد يعرف متى يكون ذلك.

فيما يتعلّق بزمن عودته، حرص يسوع على أن يشجعنا على عدم تحديد موعد زمني لذلك أكثر مِمّا ينبغي. فقد قال إنّ لا أحدَ يعرف يومَ عودته أو ساعته. وحتى هو، في بشريته، لم يعرف اليوم أو الساعة. وسعينا لتخمين وقت عودته، واعتقادنا بأننا نستطيع حصره في فترةٍ ما، هو في الحقيقة عدم طاعة ليسوع. لكنّ هذا لا يعني ألا ننتظر ونتوقّع، بل نبحث عن علاماتٍ تشير إلى قُرْب عودته. فالهدف الأساسي من التعليم عن المجيء الثاني للمسيح في العهد الجديد هو أن يبقينا يقظين، ويشجّعنا، ويعطينا رجاء، وأن يقودنا لنعيش حياةً مُقدَّسة بينما نتوقّع رجوعه. ومع أننا لا نعرف وقت رجوعه بدقّة، علينا أن نكون مستعدين لعودته في أية لحظة، حتى نستطيع أن نستقبله بحماسة وفرح.
—د. إريك ثيونيس

ينبغي أن تكون لنا ثقة كاملة بأنه سيعود. ينبغي أن تكون لنا ثقة كاملة بأنه سيأتي ثانية، وأنه سيُكمِل كل ما ابتدأه. كما ينبغي أن نكون أمناء. ينبغي ألّا ننشغل بما نراه في السماء، كما قال الملاك عند صعود يسوع في أعمال 1: “ما الذين تنظرون إليه في السماء؟ ينبغي أن تنشغلوا بإيصال بشارة الإنجيل إلى كل الشعوب”. سيعود، وبينما ننتظر عودته ينبغي أن ننشغل بتتميم المأمورية العُظمى. ينبغي أن ننشغل بخدمة ملكنا بإعلاننا للأمم أن الملك أتى، وهو آتٍ ثانيةً. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. ينبغي أن نتلمذ الذين يدخلون إلى ذلك الملكوت، الذين يعلِنون إيمانهم بيسوع المسيح، وننمّيهم حتى يحيوا لمجد الله، أي يتشبهوا به. ينبغي أن نحيا لمجد الله في كل نواحي حياتنا ونعيش في ترقب دائم لمجيئه، قائلين مع الكنيسة في كل عصر وجيل: “تعالَ أيّها الرب يسوع”.
—د. ستيفين وِلَم

يُخبِرُنا متى في هذا القِسمِ الخامسِ الرئيسيِّ في إنجيلِه، أن القادةَ اليهودَ رفضوا يسوعَ، لا بل خططوا لقتلِه. لكن يسوعَ أوضحَ أن كلَّ خِططِ العالمِ لا تقدرُ أن تُوقِفَ انتصارَ الملكوتِ المستقبليِّ. وبرهنَ التاريخُ أنه كان على حقٍّ. فالقادةُ اليهودُ قتلوه. لكن الملكوتَ استمرَ بالنموِّ عِبرَ العصورِ. وفي يومٍ من الأيامِ، سيتحققُ الجزءُ الأخيرُ من التاريخ. فيسوعُ سيأتي ثانيةً، بقوةٍ ومَجدٍ عظيمَيْن، ليُحَقِقَ الملكوتَ في كلِّ ملئِه، وليكافئَ شعبَه الأمينَ ببركاتِ الملكوتِ النهائيةِ.

ذروة خدمة يسوع

تمتد خاتمة رواية إنجيل متى من 26: 1 – 28: 20. هنا يصف متى ذروة خدمة يسوع كالملك المسيحاني في اعتقاله وصلبه وقيامته.
وإذ نستعرض خاتمة إنجيل متى، سنركّز على ثلاثة مواضيع ترتبط بالتشديد على ملكوت الله: مواضيع الصراع والتلمذة والانتصار. دعونا نبدأ أولاً بموضوع الصراع.

الصراع

الملكوت الذي أتى به يسوع اختلف في الواقع كثيراً عن الملكوت الذي توقع اليهود أن يأتي به مسيحهم الموعود. وهذا وضعهم في صراع مباشر مع يسوع وملكوته. وكما رأينا، فإن هذا الصراع تزايد عبر إنجيل متى، ووصل إلى ذروته في خاتمة الكتاب. على سبيل المثال، نجد هذا الصراع في مؤامرة اليهود ضد يسوع في 26: 3 – 4؛ وفي تخطيطهم لاعتقال يسوع ومحاكمته في 26: 14 – 16، وفي العدد 47، والأعداد 57 – 68؛ وفي صراخهم ليصلب في 27: 20 – 25. ووصل إلى ذروته عندما أخذ اليهود على عاتقهم مسؤولية صلب يسوع. استمع إلى ما دوّنه متى في 27: 25:

فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا: “دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا”.

وبينما كان يسوع يتألم على الصليب، كان اليهود يَسْتَهْزِئُونَ به ويسخرون من ادعائه أنه ملك إسرائيل المسيحاني. كما نقرأ في متى 27: 41 – 42:

وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا:‏ “خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ”.

وما يدعو للسخرية، هو أن اليهود قاوموا يسوع على أساس أنه أهان الله وطالب بالعرش زوراً، بينما هم في الواقع رفضوا الملك الوحيد الذي بإمكانه أن يخلصهم.
إلى جانب موضوع الصراع يلقي موضوع التلمذة الضوء على تشديد الملكوت في خاتمة متى.

التلمذة

شدّد متى بوجه خاص على صعوبة اتِّباع مسيح متألم. وعبّر على ذلك عن طريق إخبارنا عن سقطات تلاميذ يسوع في هذا الوقت الحاسم من خدمته. فيهوذا خانه في متى 26: 14 – 16، والأعداد 47 – 50 وقد انتحر نادماً على سقطته في 27: 3 – 10. كذلك فشل بطرس ويعقوب ويوحنا في السهر معه في جَتْسِيماني في 26: 36 – 46. وأنكر بطرس عدة مرات أي معرفة له بيسوع في 26: 69 – 75. وأخيراً، تركه التلاميذ كلهم وهربوا في 26: 56.
في الحقيقة، يمكن أن يكون اتِّباع يسوع صعباً جداً. فنحن نؤمن بملك مسيحاني متألم، وهو دعانا لنتألم نحن أيضاً. ونحن إن كنا أمناء له، سنختبر على الأرجح الشدّة والألم أيضاً، ونجرّب بالسقوط. لم يأتِ ملكوت السماوات بعد بكل ملئه. لهذا السبب، الكثير من النواحي في الحياة المسيحية ليست كما ينبغي أن تكون.
بعد أن تأملنا في موضوعَي الصراع والتلمذة، بتنا مستعدين للانتقال إلى انتصار الملكوت.

التلمذة

يظهر موضوع الانتصار بوضوح في قيامة يسوع التي هي البرهان على أن الملك المسيحاني انتصر على كل أعداء شعبه، بما في ذلك الموت نفسه. كما نجد أيضاً موضوع الانتصار في كلمات يسوع الأخيرة قبل الصعود. وكلمات يسوع الأخيرة المدوّنة في إنجيل متى نجدها في متى 28: 18 – 20، وهي تُسمى عادة بالمأمورية العظمى. وهي وصايا الرب الأخيرة لتلاميذه، مكلّفاً إياهم بالخدمة بعد رحيله. والملفت للنظر أن هذه الوصايا تبدأ مع إعلان المسيح بكل وضوح أن كل سلطان الملكوت دُفع إليه. استمع إلى إعلان يسوع في متى 28: 18:

دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ.

يسوع هو الوحيد الذي يمكنه أن يدّعي حق امتلاك كل سلطان وقدرة. وعلى فكرة، ليست سلطته سلطة مدمّرة، لأنّها سلطة ممزوجة بالمحبة، سلطة تحفّزها المحبة، سلطة توجهها المحبة. إن كانت لك لديك المحبة فقط، فستكون لديك مشاعر طيبة، ولكنْ قد تكون عاجزاً لأنك لا تملك السلطة لتغيير أي شيء. وإن كانت لديك السلطة فقط، من دون المحبة، فإنّك ستقتل وتكره. القدرة الإلهية هي الوحيدة القادرة على جمع المحبة والسلطة معاً، “هكذا أحب الله العالم حتى أرسل ابنه”. هو الوحيد الذي له الحق بأن يقول إنه يمتلك كل سلطة وقوة، لأنّه هو مَن سار على كوكبنا دون أن يخطئ. فلم يكذب قط، ولم يخدع قط. هو الوحيد الذي بعد قتله، وموته، ودفنه، عاد إلى الحياة. هو الرب المقام. وقد شكّل هذا تدشينَ حقبةٍ جديدة في التاريخ البشري. فقد أتى بالرجاء إلى كل الأمم. وهكذا، وبوضوح نرى ملكوت الله عاملاً بقوة. والكرازة لكل الأمم وتلمذتهم تعتمد على هذه الحقيقة التي أدعوها “الأساس العظيم”. فالمأمورية العُظمى ليست موجودة من دون هذا الأساس. ثم توّج المأمورية العظمى بوعد عظيم: “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ”. يسوع الرب، يسوع الملك، هو الحاكم الذي بيده كل سلطان. ولهذا ننطلق لنتلمذ ونعلّم ونعلِن مُلْكه بقوته وسلطانه.
—د. بيتر كوزميتش

كل سلطان هو للملك الذي انتصر. اليهود رفضوه، والرومان صلبوه، والجميع استهزأوا به. لكن القبر لم يستطع أن يمسكه، فالقيامة كانت الانتصار العظيم للملك المسيحاني. ومن خلاله، جاء ملكوت السماوات إلى الأرض. وهذه هي أخبار الإنجيل السارة بحسب متى.
أما الآن وقد استعرضنا خلفية الإنجيل حسب متى، بالإضافة إلى بنيته ومحتواه، غدونا مستعدين أن نتأمل ببعض المواضيع الرئيسية التي شدّد عليها متى.

المواضيع الرئيسية

سنوجه في هذا الجزء من درسِنا انتباهَنا إلى موضوعَين رئيسييَن يشدّد عليهما متى في كل إنجيله: إرث العهد القديم لملكوت يسوع وإنجيله، وشعب الله الذي من أجله أتى يسوع بالملكوت.
لنبدأ بتشديد متى على إرث العهد القديم لملكوت يسوع وإنجيله.

إرث العهد القديم

إنجيل متّى هو في الحقيقة سجل رائع للطريقة المدهشة التي أنبأ بها العهد القديم بمجيء يسوع المسيح. فيسوع ظهر على الساحة، وهو “تجسيد لشعب إسرائيل”. فقد نزل إلى مصر، وأُجبِر على الخروج إلى البريّة حيثُ جُرِّب، وصعد إلى الجبل وراح يتلو الشريعة ثانيةً. كل هذه الصور لموسى الجديد أو لشعب إسرائيل، تجد أصلها وهدفها في العهد القديم. فحين دُعي شعب إسرائيل، حين اختاره الله، عندها، لم يكن هذا امتيازاً للتمتُّع به، بل كان مسؤوليةً ينبغي الاضطلاع بها، وهي أن يكون بركة للأمم. لكن، بسبب تاريخ شعب إسرائيل الطويل والدراماتيكي في الخطيّة، لم يتمكّن من أن يكون لنفسه أو للأمم ما دُعي لأن يكونه. وها هو يسوع، ابن الله، إسرائيل المتجسّد يظهر على مسرح الأحداث، ويصير لشعب إسرائيل ما لم يتمكن من أن يكونه لنفسه وللأمم. وأظن أن هذا يعطينا صورة أجمل وقراءة أعمق لما يشير إليه العهد القديم بشأن يسوع بدلاً من رؤيته في آية هنا أو هناك. نراه في كل تاريخ إسرائيل. نراه في اختيار إسرائيل. ففشل إسرائيل ينبئ بمجيء يسوع المسيح. ومتّى يشير إلى هذا بوضوح خاصّة في الفصول الخمسة أو الستة الأولى من إنجيله.
—د. مارك غينيليت

إن مضمونَ الكتابِ المقدسِ، في الدرجةِ الأولى، هو عن ارتباطِ اللهِ بشعبِه برباطِ محبةٍ لا يَنقَطِعُ. هي قِصةُ أمانتِه في حِفظِه وعودِه لهم بأن يكونَ معَهم ويُبارِكَهم. لهذا السببِ، أخبرَ متى معاصريه من شعبِ اللهِ، أن ما زال في مقدورِهم أن يثقوا بالوعودِ القديمةِ، ويؤمنوا بأنَ اللهَ يعملُ في أيامِهم من خِلال شَخصِ يسوعَ. لهذا السببِ كان متى واثقاً جداً في اقتِباسِه باستمرارٍ من العَهدِ القديمِ ليدعمَ أقوالَ المَلِكِ المسيحانيِّ، يسوعَ المسيحِ وخِدمَتَه.
سنبحث بإيجاز في خمسة نواح برهن متى من خلالها على أن العهد القديم هو إرث ملكوت يسوع وإنجيله، وهي: الاقتباسات والإشارات الضمنية في متى إلى العهد القديم، وتشديده على ملكوت السماوات، ووصفه يسوع بـالملك المسيحاني، وصراع يسوع مع القادة اليهود غير المؤمنين، ثم تواضع يسوع ولطفه. لنبدأ مع الاقتباسات والإشارات الضمنية في متى إلى العهد القديم.

الاقتباسات والإشارات الضمنية

اقتبس متى من العهد القديم أكثر بكثير من كتّاب الأناجيل الآخرين. ويختلف الدارسون حول عدد المرات التي اقتبس فيها متى من العهد القديم بشكل مباشر، لكنه فعل ذلك على الأقل أربعين مرة، وهناك اقتباسات عديدة غير مباشرة من العهد القديم وردت في إنجيله.
كان لمتى مصطلح يردده هو عبارة “لكي يتمّ” كلما رغب في إظهار الرابط بين ما جاء في العهد القديم من نبوءات بالأحداث الجارية في حياة يسوع.
على سبيل المثال، استمع إلى ما كتبه متى في 8: 17:

لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ الْقَائِلِ: “هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا”.

مباشرة قبل هذا الاقتباس من العهد القديم، روى لنا متى الكثير من شفاءات يسوع. لكنه لم يشأ أن ينظر قراؤه إلى يسوع كشافٍ فقط. بل أرادهم أن يعرفوا أن يسوع شفى الناس إتماماً لوعود العهد القديم.

كان المهم من وجهة نظر متّى، كما ينبغي أن يكون مهمّاً من وجهة نظرنا، هو أنّ لدينا في يسوع إظهار ملكوت الله الآتي الذي كان الشعب يتوق إليه وينتظره. فلم يكن الشعب ينتظر بالضرورة مسيحاً يتمّم نبوةً معينة ذكرت في الماضي، بل كانوا يتوقون إلى الحرية، وإلى الانعتاق، وإلى الإصلاح، وإلى الخلاص. وقد علمهم العهد القديم أنه حين يأتي ملكوت الله، فإنّه سيُعلَن من خلال شخصٍ مُعيَّن هو المسيح الموعود، وعند ذلك الإعلان سيبدأ حكم الله. وكل الإصلاح والخلاص والبركات التي وعد العهد القديم بها ستبدأ في الإثمار. ولذا، لم يكتف الرسل عموماً، ومتّى خصوصاً، بالجلوس وفي أيديهم قائمة من التنبُّؤات ينتظرون من يحقّقها، ولكنّهم رأوا شخصاً في أعماله وفي تعليمه وفي شخصيته وفي كل ما فيه، رأوا إعلان ملكوت الله. وفي الحقيقة، كان ملكوت الله في يسوع. فيسوع لم يعلِن الملكوت فقط، ولكنّه أتى بذلك الملكوت أيضاً. وهكذا، انطلاقاً من اختبار قوة يسوع وتعليمه وعمله، عاد الرسل، بمَن فيهم متّى، إلى العهد القديم ليروا كيف أنبأ العهد القديم به. وحين قرأوا أسفار العهد القديم بعد اختبارهم ليسوع، وجدوا أن أسفار العهد القديم قد شهدت في الحقيقة له، وله هو بالتحديد. ولذا، حين نقرأ في العهد القديم، فإننا لا نقرأه وأمام أعيننا عدسة مكبّرة فحسب، ولكنْ نقرأه ساعين إلى لقاءٍ مع المسيح نفسه، المسيح الذي هو موضوع الأناجيل الرئيسي، حيث يأتي كالشاهد على ملكوت الله، وكتجسيدٍ لهذا الملكوت.
—ق. مايكل غلودو

الناحية الثانية التي يمكن من خلالها أن نرى تشديد متى على إرث العهد القديم، نجدها في تشديده على ملكوت السماوات.

ملكوت السماوات

وعد الله في العهد القديم بأن يبارك شعبه، وأن تأتي تلك البركة من خلال ملك من سلالة داود. وقد أعلن متى أن بركة ملكوت الله في يسوع كانت الإتمام لتلك الوعود القديمة.
ويذكّر يسوع نفسه الشعب في إنجيل متى بهذه الحقيقة. وهو يعلّم باستمرار أن الله أمين لوعود ملكوت العهد القديم. بهذه الطريقة استطاع يسوع أن يقدّم ملكوته كأخبار سارة، رغم ما يستتبعه من ألم. ومع أنه لم يتمّم نبوات العهد القديم كلها. أصرّ يسوع أن يثق شعبه بكلمة الله في العهد القديم بصورة كافية بحيث يؤمنون أن يسوع سيعود في النهاية ليتمّم كل ما بدأه سيعود في النهاية ليتمم كل ما وعد الله به.
في الواقع، هذه الثقة في صورة العهد القديم عن ملكوت السماوات، هي الأساس وراء دعوة يسوع تلاميذه باستمرار ليخضعوا للعهد القديم ويثقوا به. وهي الأساس وراء وصيته لهم بأن يحبوا ويخدموا بعضهم بعضاً، كمواطنين في ملكوت الله.
ومعرفة أن إله السماوات والأرض يسود على كل التاريخ وأنه أمين لوعوده، يجب أن تشكّل دافعاً لشعبه في كل عصر، ونحن من ضمنهم، لكي يثقوا بأن وعوده في المسيح ما زالت صالحة. كما يجب أن تلهمنا هذه المعرفة لنؤمن أنه في يوم من الأيام سيجعل الله كل شيء جديداً ومستقيماً وتعطينا القوة والثبات بينما ننتظر الله بصبر ليحقق ملكوته بكل ملئه.
أما الناحية الثالثة التي شدّد متى من خلالها على إرث العهد القديم لملكوت يسوع وإنجيله كانت بالتشديد على كون يسوع هو الملك المسيحاني الموعود.

الملك المسيحاني

سبق وذكرنا هذه الفكرة في هذا الدرس عندما تحدثنا عن سلالة نسب يسوع. وهذا يُرى أيضاً في واقع تسمية متى يسوع ابن داود أكثر من كل كتّاب الأناجيل مجتمعين. كما استخدم متى الكثير من الألقاب الملكية ليسوع، بما في ذلك ملك اليهود، ملك إسرائيل، مَلكُكِ، وببساطة ملك. علاوة على ذلك، بعض الأعداد التي يستخدم فيها متى ألقاباً ملكية ليسوع لا ترد في أي إنجيل آخر.
على سبيل المثال، في متى 2: 2، دوّن متى لنا سؤال المجوس:

أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟

لا نجد هذا العدد في أي إنجيل آخر، كما لا نجد مثل هذا التشديد العظيم على يسوع المسيح كملك.
أما التشديد الرابع على إرث العهد القديم لملكوت يسوع وإنجيله، فهو صراع يسوع مع القادة اليهود غير المؤمنين.

القادة اليهود غير المؤمنين

قد يكون وقع قرّاء متى الباكرون في تجربة اعتبار صراع يسوع مع العديد من القادة في إسرائيل كبرهان على أنه ليس المسيح. ولكي يبعدهم متى عن هذا الاستنتاج، أوضح لهم أن الله كان متمسكاً بوعوده من خلال يسوع على الرغم من عدم أمانة القادة اليهود.
مرة تلو المرة، رفض يسوع تعاليم الفريسيين ومعلمي الشريعة. وقد صحّح آراءهم حول الصوم في متى 9: 14 – 17، وحول السبت في 12: 1 – 13، وحول غسل الأيدي في 15: 1 – 20. ومعظم الموعظة على الجبل، لا سيما 5: 17 – 48 –– تظهر التباين بين وجهة النظر اليهودية لشريعة الله وبين تطبيق يسوع لتلك الشريعة.

يتساءل الناس في بعض الأحيان في شأن قول يسوع: “قد سمعتم أنّه قيل … وأما أنا فأقول لكم”، في عظته على الجبل: هل كان يسوع يناقض ما قيل في العهد القديم؟ ولكن نجد أن القراءة الأوضح تقودنا إلى أن يسوع كان يدحض بعض الطرق التي بها فسّر الكتبة ومعلّمون كثيرون عبر العصور والأجيال شريعة العهد القديم، وفيها يرد ما قاله الله حقاً. وما يفعله يسوع هُنا هو أنّه يقدّم نفسه بصفته مفسّر شريعة الله بالاستقامة، كما يقوم بتطبيق المكتوب في شريعة الله على سامعيه في تلك الأيام.
—د. سايمن فايبرت

حين تكلّم يسوع في الموعظة على الجبل مستخدماً الكلمات “سمعتم أنه قيل … وأما أنا فأقول لكم،” لم يقصد إلغاء العهد القديم، بل ما قصده في الحقيقة، هو العكس تماماً فقد قال ما حرفيّته: “جئتُ لأتمّم الناموس”. ولكن ما فعله يسوع في الحقيقة، هو أنه استخدم أسلوباً رابينياً كان معلّمو الناموس يستخدمونه في الحديث عن سلطانهم في التعليم. “سمعتُم كثيرين في التقليد يقولون هذه الأشياء عن تعاليم الشريعة، وأما أنا فأقول لكم”. وكلامه يأتي بسلطةٍ حاضرة، بسلطة إضافية. وهكذا، فإنَّ ما يعمله يسوع هو تأكيده على سلطانه في التعليم باستخدام هذا الأسلوب المعروف جداً في التعليم. وهذا ليس ليقلّل من سلطة أو قيمة شريعة العهد القديم، بل ليقول أمراً مهماً من الناحية اللاهوتيّة والكريستولوجيّة ]أي علم المسيح[، وكأنه يقول: “مهم أن يُفسَّر العهد القديم في ضوء علاقته بي وبتعليمي أنا للشريعة”.
—د. غريغ بيري

كلا، لم يكُن يسوع يناقض العهد القديم. بل أحد المواضيع التي نراها في إنجيل متّى هو أن يسوع هو موسى الجديد، وأنّه أعظم من موسى. فلدينا إعلان العهد المعطى من خلال موسى، وهو كلمة الله ذات السلطان. ولكن يسوع يقف بصفته المُفسّر الأسمى للشريعة. جزءٌ كبير مما نراه في الموعظة على الجبل يمثِّل تفسيراً دقيقاً لما قصده موسى. وبهذا، لم يُلغِ يسوع الوصية التي تقول “لا تقتل”، ولكنَّه ببساطة وضّح لنا أن القتل يبدأ في القلب بالغضب. تذكَّر جيّداً كيف يبدأ هذا القسم. قال يسوع: “ما جئتُ لأنقض بل لأكمِّل”. وأنا أرى أنّه يقصد تفسير الشريعة بشكلٍ صحيح. أنا أرى أن ما يقدّمه يسوع هنا هو في الحقيقة تتميم للقصد الحقيقي للشريعة. فينبغي تفسير الشريعة في ضوء مجيء يسوع وفي ضوء موت يسوع وقيامته وخدمته. وحين نفهم الأمر بهذه الطريقة، نرى أن يسوع لا يبطِل شريعة العهد القديم بل يتمّمها.
—د. توماس شراينر

لقد تمّم يسوع حقاً توقعات العهد القديم المسيحانية. لكن العديد من اليهود رفضوه لأن توقعاتهم الخاصة لم تكن منسجمة مع العهد القديم. وسوء فهمهم هو تحذير لجميع الذين يسعون إلى إتباع يسوع. فهي تنبهنا من وضع حدود اصطناعية على ما يمكن لله أن يفعله، بل أن ندعه هو يحدّد لنا ما يجب أن تكون آمالنا وتوقعاتنا.
والناحية الخامسة في تشديد متى على إرث العهد القديم عند يسوع واضحة في وصفه لتواضع يسوع ولطفه.

التواضع واللطف

فهم اليهود في زمن يسوع على نحو صحيح، أنه وِفق العهد القديم، سيرسل الله جنديه الجبار ليخلص شعبه. لكن متى شدّد على أن خلاص الله العظيم متجذر في حنان يسوع الرقيق على شعبه. ودعم موقفه هذا عن طريق الاقتباس من العهد القديم.
على سبيل المثال، في متى 11: 29، دعا يسوع الثقيلي الأحمال بهذه الكلمات:

اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.

هنا، اقتبس يسوع من إرميا 6: 16 ليبرهن أن المسيح سوف يوفر راحة لشعبه.
كذلك، في متى 12: 15 – 21، دوّن لنا متى خدمة يسوع الشفائية الرحومة، واقتبس من إشَعياء 42: 1 – 4 ليشرح لنا ما كان يسوع يفعله.
استمع إلى وصف يسوع في متى 12: 19 – 20:

لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ.‏ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ.

لم يكن يسوع الملك العسكري القاسي الذي كان اليهود ينتظرونه ليقودهم ضد روما. لكنه كان لطيفاً وحنوناً.
انسجاماً مع العهد القديم، صوّر متى يسوع كملك منتصر، وكمعلم ذي سلطان لشعب الله. وفي الوقت عينه، شدّد متى على كون يسوع ملكاً متواضعاً وحنوناً. وتحثنا الدعوة على إتباع يسوع في حياتنا وخدمتنا على قول الحقيقة بالحنان ذاته الذي تمثل في حياة يسوع.
وشدَّد متى على تُراثِ العهدِ القديمِ لملكوتِ يسوعَ وإنجيلِه بطرقٍ عدة متنوعةٍ. كما أوضحَ في الوقتِ عينِه، أن يسوعَ قد تَمّمَ كلَ توقُعاتِ العَهدِ القديمِ بطريقةٍ فاقتِ الأفكارَ السائدةَ. فالخبرُ السارُّ، الإنجيلُ، هو إتمامُه لتلك التوقعاتِ. فالملكوتُ، والشريعةُ، ولا سيما الملكُ نفسُه، كلها تمّتْ بمجيءِ ملكوتِ السماواتِ من خلالِ يسوعَ إلى الأرضِ.
بعد أن نظرنا إلى إرث العهد القديم لملكوت يسوع وإنجيله، بتنا مستعدين أن نتأمل بموضوع شعب الله.

شعب الله

في إنجيل متى، كما في بقية الكتاب المقدس، شعب الله هم أولئك الذين ينتمون إلى الله، أولئك الذين يحفظهم الله كمقتنى ثمين، وكالشعب المميّز الذي ساد عليه كملك. فهم ليسوا فقط في علاقة مباشرة مع الله، بل أيضاً في علاقة وثيقة مع كل شخص آخر ينتمي إليه.
سنتناول موضوع شعب الله في ثلاث كلمات. الأولى، كيف عرّف متى شعب الله بالكنيسة. والثانية، كيف دعاهم عائلة الله. والثالثة، الدعوة التي تلقاها شعب الله من يسوع. لنبدأ بفكرة أن لكنيسة هي شعب الله.

الكنيسة

في العهد القديم كانت إسرائيل شعب الله. لكن في العهد الجديد، شعب الله يسمون غالباً “الكنيسة”. والكلمة “كنيسة” في متى هي ترجمة للكلمة اليونانية إكليسيا. وفي السبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم، ترد إكليسيا كترجمة للكلمة العبرية قهال، واستخدمها العهد القديم بصورة خاصة للإشارة إلى جماعة أو جمهور شعب إسرائيل. وهذا التحوّل في المفردات – من “جماعة” إسرائيل إلى “الكنيسة” المسيحية – يبرهن من ناحية أن متى وجد في الكنيسة المسيحية استمرارية لجماعة إسرائيل.
انظر إلى استخدام الكلمة العبرية قهال أو “جماعة” في العهد القديم. فشعب إسرائيل يشار إليهم بـ”الجماعة” في لاويين 16: 33، وفي كتاب العدد 16: 47، وفي القضاة 20: 2، والمزمور 22: 22. في الواقع “جماعة شعب الله” كانت مهمة جداً في العهد القديم بحيث كانت إحدى التسميات التي استخدمها النبي يوئيل في إشارته إلى إسرائيل عندما تنبأ أن الله سيحيي شعبه في الأيام الأخيرة. وهو أعلن في يوئيل 2: 16:

اِجْمَعُوا الشَّعْبَ. قَدِّسُوا الْجَمَاعَةَ.

الكلمة المترجمة “جماعة” في الأصل العبري لهذا العدد هي قهال. لكن في الترجمة السبعينية اليونانية، الكلمة المستخدمة هي إكليسيا، وهي الكلمة التي تترجم عادة “كنيسة” في العهد الجديد.
وقد استخدم متى الكلمة ذاتها عندما دوّن كلمات يسوع التالية في متى 16: 18:

أَبْني كَنِيسَتِي.

كرّر يسوع هنا نبوة يوئيل عندما قال أنه سيبني كنيسته أي قهال، أو جماعته المسيحانية في الأيام الأخيرة.

يقول يسوع في إنجيل متى إنه سيبني كنيسته. وأظن أنه من الجيد البدء بتذكُّر أن الكلمة المُستخدمة في العهد الجديد للكنيسة هي كلمة يونانية تُستخدم للإشارة إلى فكرةٍ في العهد القديم هي “جماعة شعب الله”، في العبرية “قهال”. وهكذا، فإن كنيسة العهد الجديد هي استمرارية لجماعة العهد القديم، جماعة شعب الله.
—ق. مايكل غلودو

سبق لنا ورأينا أن أحداث متى 16 وردت في وقت تنامت فيه المقاومة بسبب إعلان يسوع بأنه الملك المسيحاني. وهذه المقاومة هي إحدى الأسباب التي جعلت يسوع يشجّع تلاميذه عن طريق إشارته إلى جماعة إسرائيل، فقد أرادهم أن يثقوا بخطته لبناء جماعته المسيحانية أو الكنيسة.
وقد أوضحت كلمات يسوع أن الكنيسة تنتمي إليه. فهي لا تنتمي إلى بطرس، ولا تنتمي إلى إسرائيل. فهي ليست مؤسسة ديمقراطية يمتلكها أعضاؤها، بل هي كنيسة المسيح، وهي نقطة سبق لمتى أن أشار إليها في مقدمة إنجيله عندما دوّن كلمات الملاك إلى يوسف.
استمع إلى ما دونه متى في 1: 21:

فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ.

في هذا العدد، وقبل أن يولد يسوع أكد الملاك ليوسف أن الطفل في أحشاء مريم هو المسيح الموعود الذي ينتمي اليه كل شعب الله. فهو ملكهم وهم شعبه.

وهكذا فإننا لسنا مجرّد أتباع ليسوع كأفراد، بل نحنُ تجسيد لهذه الخليقة الجديدة التي أوجدها يسوع بقيامته من الموت وبإعطائه الروح القدس لنا بصفتنا هيكله الجديد. وبهذا، نحنُ نمثّل حضور الله في الكنيسة، حيث يجد الناس الرحمة والغفران، وحيث يمكنهم أن يجدوا ما يحتاجون إليه، وحيث يمكنهم أن يجدوا الرِّفقة حين يشعرون بالوحدة. فالكنيسة إذاً تذوُّق للسموات الجديدة والأرض الجديدة التي يوماً ما ستكون مرئيةً في كل الخليقة.
—ق. مايكل غلودو

عندما يكون شعب الله تحت الضغط، عندما تهدّد أحداث الحياة بأن تعيقهم، عندما يشعرون بالظلام الذي يحيط بهم، فإن قول يسوع يشجعهم: “أنا أبني كنيستي. أنا أبني جماعتي المسيحانية”. وهو يطمئننا بأنه هو ملكنا، وبأنه مهتم بمصلحتنا، وانه حتماً سينقذنا ويباركنا في النهاية. قد لا يحصل ذلك في هذه الحياة. لكنه سيحصل حتماً. يمكننا أن نثق بذلك.
بالإضافة إلى وصف شعب الله بالكنيسة، اعتبره متى أيضاً عائلة الله.

عائلة الله

يستخدم إنجيل متى تعابير عائليةً مثل “أب”، “ابن”، و”أخ” أكثر من 150 مرة ليصف علاقة شعب الله بنفسه، وببعضهم البعض. ولم يستخدم أحد من كّتاب الأناجيل الآخرين تعابير عائليةً سوى يوحنا. لكن عندما استخدمها يوحنا، كان يتحدث نموذجياً عن العلاقة بين يسوع وأبيه السماوي.
بالمقابل، عندما استخدمها متى، كان يتحدث عن عائلة الله. وبصورة رئيسية، استخدم متى هذه المفردات للتشديد على الاهتمام والحماية التي أظهرها الله لأولاده.
على سبيل المثال، في متى 6: 4، تكلم يسوع عن عناية الله بشعبه بهذه الطريقة:

فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.

وقد استخدم هذه اللغة ذاتها مرة ثانية في العدد 6، ومن جديد في العدد 18. وقد كان قصده أن الله مهتم بأولاده، ومصمم على تشجيعهم وسد احتياجاتهم.
وعندما علّم يسوع تلاميذه كيف يصلّون، استهل تعليماته في متى 6: 8 بقوله لهم:

لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.‏

يمكننا أن نثق بأن الله سيباركنا، وأنه يسمع صلواتنا، لأننا نعلم أنه أبونا المحب.

أنا متخصّص في التعليم عن تكوين البنية الروحية. وأحد الأمور التي أقولها عن الصلاة الربانية هي أننا نبدأها بإدراك أننا في أي لحظة يمكن أن يكون الملايين من الناس يصلّونها في الوقت نفسه. وأحد أسباب دعوتنا إلهنا بـ”الله” هو أنَّه يستطيع سماع كل كلمة من هذه الصلوات، ويتعامل معها كما لو كانت الصلاة الوحيدة المرفوعة إليه. ولكنّ هذا يأتي بنا إلى شركة مُقدسة، مع جزءٍ من سكان ملكوت السموات. ضمير الجمع مرتبط بالكلمة “أب”. فمهما كنتُ، وأينما كنتُ وأنا أصلّي، فإنني أتوجّه إلى الله بصفته “أبا” Abbaأتوجّه إلى الله بصفته الآب. وإن كان شخصٌ ما في سوريا يدعو الله قائلاً: “أيّها الله الآب،” وأنا أدعو الله الآب في مصر، فهذا يعني أننا أخَوان أو أختان. فإن كان لنا أبٌ واحد، فإننا أعضاء العائلة نفسها. ولذا، أظن أن متّى يتحدّث عن هذا الأمر بطريقة قوية من خلال مفهوم ملكوت السماوات الذي يستخدمه بشكلٍ متكرّر. ولكنّ حياة الصلاة هي التي تجعلني أدرك أنه في اللحظة التي أصلّي فيها – أصلّي فيها مع آخرين يقولون ما أقوله أنا فهذا يعني أننا معاً عائلة واحدة.
—د. ستيف هاربر

ليس من أمرٍ يشجّعنا أكثر من التفكير بحقيقة أنَّ الله تبنّانا فصرنا جزءاً من عائلته. أمرٌ عظيم أن ننال الغفران، ولكن كما يقول جيمز باكر في كتابه معرفة الله، أمرٌ عظيم أن نتبرّر، والأعظم منه هو أن يتبنانا الله ويضمّنا إلى عائلته. كون الله أبانا هو في الحقيقة ذروة عمل الله في حياتنا. فلا ننال العفو والغفران من القاضي فحسب، بل ويتبنّانا الله القاضي فيكون أبانا، ونحنُ أولادَه. وبهذا نكون شركاء مع المسيح في الميراث. فكل ما يناله يسوع، وهو كل شيءٍ في الكون، سيكون لنا أيضاً، سيكون ميراثنا نحنُ أيضاً. كُنا في الماضي أبناء الغضب وكان ميراثنا ونصيبنا عقاب الله. ولكنَّنا الآن انتقلنا من العقاب والدينونة وصرنا شركاء المسيح في الميراث. نحنُ شركاء الطبيعة الإلهية، ونحنُ ندُعى بحق إخوة المسيح، لأنّ لنا البنوّة به ومن خلاله. فقد أبدل أسمالنا البالية القذرة – فسادنا – ببرّ المسيح. وبهذا نحن صرنا أولاد الله، ودُعينا لنكون جزءاً من عائلته. هذه أعظم بركة يمكننا تخيُّلها.
—د. إريك ثيونيس

في متى 6: 25 – 34، استخدم يسوع مثلين مختلفين ليطمئن أولاده بعنايته. فتحدث عن “طيور السماء” و”زنابق الحقل”، مشيراً إلى أن الله يعتني بحاجات أصغر مخلوقاته. وحجته هي، إن كان الله يعتني بهذه الأمور الصغيرة، فلا شك أنه يعتني أكثر بأولاده. فأبونا السماوي يوفّر لنا الأفضل من طعام ولباس وحماية.
كما شدّد يسوع على محبة الله وحمايته عندما حذّر تلاميذه من الصعوبات التي سيواجهونها في الخدمة. على سبيل المثال، في 10: 19 – 20، أخبرهم يسوع أنهم سيُعتقلون ويُحاكمون. لكنه أخبرهم أيضاً أن روح أبيهم سيكون معهم. وذكّرهم أنه عندما تكون حياتهم في خطر بسبب خدمتهم، فإن أباهم السماوي سيحفظهم.
استمع إلى كلمات يسوع المشجعة في متى 10: 19 – 31:

أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ.‏ أَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ.‏ فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!

بالنسبة لمؤمنين كثيرين، الحياة المسيحية صعبة جداً. ففي مناطق كثيرة يتعرّضون للاضطهاد. وما يملأ حياتهم بالفرح الغامر هو أنهم جزءٌ من جسد المسيح، ويستطيعون القول إنهم شعب الله. يُعلن الكتاب المُقدس أن الله أبونا. ويخبرنا الفصل 8 من رسالة رومية بأن لدينا امتيازاً عظيماً – هو أن ندعو الله “آبا”. وهناك حقيقة عظيمة أخرى هي أن كذلك الله يعتني بنا باستمرار لأننا أفراد عائلته. ولذا، بالنسبة للمؤمن، جوهر حياته هو التشجيع الذي يحصل عليه من خلال المسيح لأن الله هو الآن أبونا.
—د.جِف لومان

بعد أن بحثنا في شعب الله ككنيسة وكعائلة لله في الوقت عينه، غدونا مستعدين أن نبحث في دعوة شعب الله.

الدعوة

يتمتع شعب الله بامتياز عظيم لكونه كنيسة الله وعائلته. لكن دعوتنا أن نكون شعبه تتضمن المشقات والخطر والآلام. فيسوع نفسه الذي هو ملكنا المسيحاني قد تألم. ونحن إذ نتبعه، سنتألم كذلك.
على سبيل المثال، في متى 10: 34 – 36، قال يسوع إن دعوتنا تتميّز بالنضال. استمع إلى ما قاله هناك:

لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً.‏ فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ.

وفي متى الفصل 16: 24 – 25، أشار إلى ذلك بالشكل التالي:

حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، ‏فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.

عرف يسوع أن شعبه سيُرفض كما رُفض هو. فبالنسبة لملكنا، الألم هو طريق المجد. وهذا ينطبق علينا.

حين كان يسوع على الصليب، ربما كان الناس يفكّرون بأنه خسر المعركة. وحين وُضِع جسده في القبر، ظنوا أنه خرج من الحسبان وانتهى، ولكنّهم نسوا أمر صباح اليوم الثالث. فقد قال: “انقضوا هذا الجسد وأنا أقيمه”. وحين نفكّر بما تعرَّضت له الكنيسة من نبذٍ ورفضٍ وانتقاد وإساءة في كل ناحية، ندرك أن الكنيسة التي أطلقها للعمل هي الكنيسة ذاتها التي تعمل اليوم. انظروا إلى مقدار ما تحمّلته الكنيسة وصمدت فيه، وإلى مقدار ما اجتازت فيه، وبرغم كل ذلك ما تزال صامدةً. وأريد أن أتقدّم قليلاً، إنجيل يسوع المسيح، الكلمة الذي صار جسداً — لم يستطيعوا قتله، لا في ذلك الوقت، ولا الآن. نحنُ جزءٌ من الكنيسة … نحنُ الكنيسة، كنيسته، وهو لن يسمح لأي شيء، ولا حتى أبواب الجحيم، بأن تقوى على كنيسته وتوقف رسالتها. لهذه الكنيسة رسالة، وهي الانطلاق إلى كل العالم لجلب كثيرين من الضالين وتلمذتهم للمسيح. يا لفرحنا لأن لدينا ضماناً عظيماً، ولدينا لحظة قيامة نعيشها الآن، لأننا نعرف أن الكنيسة ستصمد! هللويا!
—د. ويلي وِلز

وعد يسوع بأن ينهي آلام شعبه، ويعطينا الراحة من آلامنا، ويرسّخ لنا سلاماً، ويباركنا بلا حدود – لكن ليس الآن. فإلى حين عودة يسوع ليجعل كل الأشياء جديدة، فإن دعوتنا هي اتِّباع خطوات ملكنا المتألم.

أخبرنا يسوع أنه أتى لتكون لنا الحياة وليكون لنا الأفضل. ولكن في حياتنا بعد أن نختبر الرب يسوع المسيح نبقى نتعرَّض للألم والمعاناة والمرض، كما أنّنا نموت. ما تزال لدينا إحباطات وطموحات. ما نزال نشعر بالانزعاج، ما نزال نشعر بالحزن. وجزءٌ ممّا نحتاج لرؤيته وإدراكه هنا هو أنّ نوال هذه الحياة الأفضل يعني أن يكون المسيح معنا في وسط هذه المعاناة. سوف نعرفُ أموراً في حياتنا المسيحية ما كان ممكناً أن نعرفها لو أننا لم نختبر الحزن، بالإضافة إلى الفرح والبهجة. وأظن أن لدينا أمراً بالغ الأهمية. قال يسوع: “أتيتُ لتكون لكم الحياة وليكون لكم الأفضل”. ولكنْ كما تعلمون – نحنُ نتوق إلى أمرٍ ما. فجزءٌ من معنى وجودنا “في المسيح” هو أن نتوق للملء الذي سيأتي به. فسيأتي يومٌ يعود فيه المسيح إلى كنيسته. سيأتي يومٌ سيحكم فيه المسيح على كل شيءٍ بطريقة مرئية أمام الجميع. وستركع كل ركبة ويعترف كل لسان بأن يسوع المسيح رب لمجد الله الآب. سيأتي يومٌ ستكون فيه العيون جافة، إذ ستُمسَح كل الدموع. واسمعني جيّداً، جزءٌ من معنى أنّ لدينا الحياة الفضلى الآن في المسيح هي أن نستريح في المسيح فيما نختبر الأفراح والآلام التي تأتي إلى حياتنا وإلى هذا العالم الساقط، ونتوق إلى ما نعرف أنَّه سيأتي. الحياة الفضلى تعني الثقة بالمسيح حتى مجيئه.
—د. آلبرت مولر

الخاتمة

في هذه الدراسة لإنجيل متى، إستعرضنا خلفيته من ناحية كاتبه، والقرّاء الأولين ومناسبة الكتابة. وقد بحثنا في بنيته ومحتواه. كما تأملنا بالمواضيع الرئيسية لإرث العهد القديم وتشديده على شعب الله.
يعلنُ لنا إنجيلُ متى الخبرَ السارَ، وهو أن وعودَ العهدِ القديمِ بملكوتِ السماواتِ قد تحققت في يسوعَ الملكِ المسيحانيِّ وعملِه. والخبرُ السارُّ هو أن يسوعَ أسَّسَ ملكوتَه وهو مستمرٌّ في بُنيانِه من خلالِنا. لكن هذه البشارةَ ليست دائماً سهلةً. فكما رأينا، وصفَ متى دعوتَنا لاتباعِ الملكِ المسيحانيِّ المتألمِ بتعابيرَ متشددةٍ. لكنه وصفَ أيضاً بركاتِ الآبِ السماويِّ بتعابيرَ جوهريةٍ – تلك البركاتُ التي تمكّنُنا من اتباعِ الملكِ بأمانةٍ وثباتٍ وَسَطَ آلامِنا، إلى حينِ مجيءِ ملكوتِ السماواتِ على الأرضِ بكلِّ مجدِه.

اترك تعليق

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>