دافع للبقاء

m-butterfly-sكانت شابة اسمها لطيفة* مشرفة على حافة الهاوية. لقد درست في أوربا بكل ما في ذلك النظام التعليمي من قيم دنيوية وتحررية. ورغم أن والديها لم يكونا شديدي التدين، إلا أنهما كانا محافظين، فأصرا من جهتهما على التزام ابنتها بالقواعد والتقاليد الدينية السائدة في وطنهم بشمال إفريقيا. لذلك كانت لطيفة تشعر بالتمزق في داخلها، ومما زاد من ذلك الشعور أن تساؤلات كثيرة حول طبيعة الله سبحانه، وحول الإيمان الصحيح كانت تشغل أفكارها.

 

ولم يكم هناك تشجيع على طرح هذه التساؤلات في بيئتها العائلية ، فلم يطلب منها سوى الخضوع بدون أي تعبير حيوي عن بحثها عن علة الوجود وعن هويتها الذاتية، خاصة باعتبارها امرأة.

ولعدة سنوات كانت لطيفة تكافح من أجل مكانتها داخل المجتمع، فعند عودتها إلى مسقط رأسها تونس كان الناس يعاملونها على أنها أجنبية، وفي المقابل كانت تشعر وهي في أوربا شعورا عميقا بالعزلة عمن حولها. ثم بدأت لطيفة دراستها الجامعية بمؤسسة من مؤسسات التعليم العالي، وفي نفس الوقت قررت أن تلتزم التزاما شديدا بالدفاع عن عقائدها الموروثة، فعزمت على الالتزام بجميع الأشكال الخارجية المطلوبة منها من ملابس وطقوس دينية. ولكنها وهي تدافع عن قضيتها، كانت على وعي كامل في أعماق قلبها بأنها تخفي شعورها الحقيقي، إذ كانت متألمة في داخلها، فكانت تحس بأنه تعالى كان بعيدا عنها وغير متعاطف تجاهها، وأدركت أنها لم تستطع أبدا تحقيق متطلّباته العادلة سبحانه، مهما اجتهدت.

بدأت لطيفة تحس بأنها ضائعة في دوامة من الشكوك في نفسها وأخذت تتوهم بأنها لن تجد أبدا السلام النفسي الذي كانت تشتاق إليه. ولم تعلم قط أنه سبحانه كان دائما قريبا منها يسمع جميع التماساتها اليائسة. وأخيرا وصلها العون بطريقة غير متوقعة، من طالب غربي كان يدرس معها بالجامعة. لقد كان هذا الطالب أيضا يبحث عن أجوبة لأسئلة الحياة الهامة فدعا لطيفة إلى زيارة قائد إحدى الكنائس المحلية ليعبرا معا عن تساؤلاتهما. وبصدد مناقشتها الطويلة مع جون، راعي إحدى الكنائس القريبة، أصبح اليقين الذي تحدث به هذا الرجل المؤمن بالمسيح تحديا لها. فبدا الرجل متأكداً بأن ذنوبه قد غفرت وأن مكانته في السماء مضمونة، وبدا إيمانه هذا متأسسا علاما قرأه في الكتاب المقدس الذي كثيرا ما اقتبس منه أثناء المناقشة.

وأثناء حديثها مع الرعي جون أدركت لطيفة أن ما اشتاقت إليه ليس مجموعة من القوانين والقواعد، بل إنها كانت في حاجة إلى علاقة حميمة بالمسيح الحي. إن هذا الإدراك اخترق عقلها وكأنه من أشعة الليزر. فلم يكن سبب المشاكل التي كانت تعانيها في أسرتها ولا في الناس المحيطين بها ولا في صراع الثقافات التي عاشتها، بل في قلبها المذنب. أدركت لطيفة أنها ينبغي أن تعترف بخطاياها وتطلب من الله سبحانه التطهير، وذلك على أساس فضائل ربها ومخلصها الجديد يسوع المسيح.

وبعد حصولها على غفران الله، أدركت لطيفة فورا أنه عليها أن تصحح الأمور التي جرحت الآخرين بها. لكن عندما أخبرت أعضاء أسرتها بالتحول الداخلي الذي عاشته، أصيبوا بالفزع. فكيف لها أن تخونهم بهذا الشكل؟ ألا تعرف أنه من الممنوع عليها أن تصاحب المسيحيين وتتصرف مثلهم؟ ومع مرور الزمن واجهت لطيفة اختياراً صعباً آخر – هل تنكر إيمانها لأجل أسرتها وأمنها الذاتي؟ لكنها وعت أنها لا تستطيع أبدا إنكار ربها، فتركت بيت أسرتها وسلكت طريقاً جديداً. لقد تحولت لطيفة تحولا كاملا، وامتلأ قلبها وفكرها بسلام لا يمكن تفسيره. وبعد مدة تزوجت لطيفة برجل مسيحي تقي، وأمست الآن أمّاً راضية لطفلين. من كان يتصور أن امرأة عاشت مثل هذه المرارة سوف تمتلئ مثل هذا السرور؟ فلم يستطع أحد تحويل حياة لطيفة ومنحها دافعا للبقاء سوى الإيمان الحي بالمسيح.

اترك تعليق

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>