ماما ليليان – قلب أم!

lillian trasherنظرت ليليان إلى حشود الأطفال الجياع الجالسين حولها صفوفا، وقلبها مصاب بآلام داخلها. ما العمل الآن؟ لقد استودع الله بين يديها هؤلاء الأطفال الأيتام، لكنها يومذاك لم تملك ما تطعمهم به. سكتت ثرثرة أصوات الصغار وانتشرت السكون في الغرفة، عندما أعلنت “ماما ليليان” عن الصلاة لشكر الله على الطعام الذي سيمنحهم قريبا. رفع الأطفال أنظارهم المتلهفة نحو

محبوبتهم ليليان، وإذا بطرقات شديدة تدق على باب الميتم. تسائل الأطفال في داخلهم وقدموا نظرياتهم عمن ترى أتى إلى زيارتهم في مثل هذه الساعة. وطلبت ليليان من يوسف، أحد مساعديها، أن يذهب ليكشف عن هوية زائرهم غير المتوقع. لم تكن سلامة الأطفال تحت أي تهديد بعد، على أن الموقف السياسي كان يومئد متوترا، فكان لا بد، مهما حدث، أن تحمي ليليان اليتامى التي كانت مسؤولة عنهم. رجع يوسف إلى الغرفة مسرعاً، والضحكة تعلو شفتيه وأشار إلى أصدقائه أن يخرجوا معه. كان يتحدث بسرعة شديدة حتى لم تكد ليليان تفهم كلامه، فعبرت العتبة لتجد عربة ضخمة محمّلة بالحليب واقفة أمام الباب. فاتجه السائق إليها وهو يستغيث، فقد تعطلت عربته خارج باب الميتم، وكان الحليب حتما سيتخثر تحت أشعة شمس مصر الحارقة. فهل تستطيع ماما ليليان أن تستعمل الحليب لغذاء الأطفال الكثيرين الذين كانت مسؤولة عنهم؟

كانت هذه الخبرة البهيجة عن عناية الله في ذلك اليوم، واحدة من العديد من الخبرات التي شهدتها ليليان خلال سنوات عملها في مصر. وبينما كانت تتوقف لحظة للتأمل في وفاء ربها، شردت نظراتها تجاه أشجار النخل الفخمة التي كانت تتمايل مع النسيم الصيفي، وكأنها تنحني لتشرب من النهر الذي غذاها. كانت ليليان دائما تحسب صعيد مصر بحياته النباتية الخصبة من أجمل الأماكن في العالم. لم تعرف فرحا أعظم من النظر إلى أشرعة الفلائك البيضاء كالثلج ترقص على مياه النيل اللامعة، انتبهت ليليان من شرودها، عندما قفزت بنت صغيرة من بناتها في حضنها لعناقها.

لم تكن ليليان تتصور أنها ستتولى مهمة جوهرية مثل إدارة ميتم. لقد وصلت لمصر ولم تكن لديها أية فكرة كيف ستطبق ما قد تدربت عليه، ولم تملك سوى مائة دولار. لكن في ليلة من الليالي بعد وصولها تلقت استغاثة يأس، فأتى لها رجل كانت زوجته مشرفة على الموت، فالتمس منها أن تمنحه مع عائلته العون. وبينما كانت زوجة الرجل تضعف، وضعت رضيعها الصارخ بين ذراعي ليليان. رجعت ليليان بالرضيع إلى البيت الذي كانت تسكن فيه مع أختها. وربّت العازبتان الرضيع، مع العلم تماما بأن أباه لا يملك الماديات أو القدرات ليعتني بطفله. وبالرغم من انتقادات زملائها، إلا أن عزم ليليان كان ثابتاً. وبالقليل من النقود التي بقيت لها، استأجرت بيتا صغيراً واشترت فرناً وبعض الأثاث الضروري. واستقرت بالمدينة التي أصبحت مسكنها طوال السنوات الخمسين التالية.

كان ذلك الرضيع الضعيف آية وعلامة واضحة من عند الله بالنسبة لدعوة العمل التي وضعها سبحانه في حياة ليليان. وبمرور السنين نما عدد الأطفال الساكنين في الميتم حتى بلغ أكثر من ألف طفل. وتلقى كل منهم تعليما وتربية وطعاما وبيتا. لكن أهم من هذا كله، أنهم اختبروا محبة الله لهم وعنايته بهم. أما ميتم ماما ليليان فلا يزال قائما إلى يومنا هذا، بعد قرن من الزمان منذ أن افتُتحت أبوابه للمرة الأولى. ولا تزال المحبة والشفقة التي أظهرتهما ليليان تنتجان أثمارهما اليوم في حياة أطفال مصريين معدمين كثيرين.

 

اترك تعليق

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>