المدخل إلى دراسة الأناجيل

الأناجيل

الدرس الأول

مدخل إلى الأناجيل

المقدمة

 

هلْ لاحَظتَ يوماً مَدى أهميةِ سَماعِ الأخبارِ في حَياتِنا؟ فالمعلوماتُ التي نَستلمُها عنِ العالمِ الذي يُحيطُ بنا، تُؤثِرُ في آرائِنا، وقِيَمِنا، وخِطَطِنا، وفي جَوانبَ أخرى كثيرةٍ من حياتِنا. وأحياناً، تكونُ أخبارُ الأَحداثِ هامةً إلى درجةٍ تغيّرُ كُلياً نَظرَتَنا إلى العالم.

في الواقع، عندما نتأملُ في الأمر، نجدُ أن الكتابَ المقدسَ نفسَهُ هو أشبهُ بأرشيفٍ من القِصصِ الإِخْبارِيَةِ. فَهوَ يُسجِّلُ لنا كلَ أنواعِ الأخبارِ الجيِّدةِ والسيِّئةِ المُتعلِقةِ بشعبِ اللهِ عبرَ التاريخ. ونحنُ إذ نَدرسُ هذه القِصصَ، نتأثرُ بها ونتغيَّرُ من عِدّة جوانب. لكنَّ أفضلَ الأخبارِ التي يحتويها الكتابُ المقدَّس هي دون شَك التقاريرُ التي نُشيرُ إليها ببساطةٍ بـ الأناجيلأي الأخبارِ السارة“. وهي كتبٌ تُغيِّرُ الحياةَ لأَنها تتحدثُ عن شخصِ رَبِنا ومُخلِّصِنا يسوعَ المسيحِ وعَملِه.

هذا هو الدرسُ الأولُ في هذه السِلسِلَة حولَ الأناجيل. في هذه السِلسِلَةِ، نبحثُ في الكُتبِ التي وضعها متى، ومَرْقُسُ، ولوقا، ويوحَنا، عن حياةِ يسوعَ المسيحِ وخِدمَتِه. في هذا الدرسِ الذي أعْطَيناهُ العُنوانَ مَدخَلٌ إلى الأناجيل، سنكتسِبُ ما يكفي من المِعرفةِ عن هذه الكُتُبِ، الأَمرُ الذي يُساعِدُنا على فَهمِها بصورةٍ أوضحَ، وعلى تَطبيقِها بشكلٍ أفضلَ في حَياتِنا اليوم.

في هذا االدَّرْسِ، مدخلٌ إلى الأناجيل، نتناولُ أربعَ مَسائلَ حاسِمة. أولاً، البحثُ في الأناجيلِ من جِهَةِ أسلوبِها الأدَبي. ثانياً، نظرةٌ إلى مَنزِلَتِها في الكنيسة. ثالثاً، البحثُ في مَسألةِ الوحدَةِ بين الأناجيل. ورابعاً، عرضُ التَنوُّعِ الذي يميّزُها بعضُها من بَعض. لنبدأْ بالبحثِ في الأسلوبِ الأدَبي لهذِهِ الكتب.

 

الأسلوب الأدبي

 

عادة، عندما نَقرأُ أدباً تكونُ عندنا فِكرةٌ عن نوعِ الأدبِ الذي نَقرأُه، وهذا يُرشِدُنا إلى كَيفية قراءَتِه وماذا نَتوقعُ منه. عندما نَقرأُ روايةً تاريخَيةً، لا نَتَوقعُ أن يكونَ التاريخُ واقعيّاً، ولا نَشعُرُ أننا مَخْدوعون. وعندما نَقرأُ كِتاباً يتضمنُ قِصَصاً قَصيرةً، نَعرِفُ أنها ليست روايةً واحدَة، فنحنُ لا نقرأُهُ كرواية. لذلك نحتاجُ إلى أن يَكونَ عندنا فكرةٌ عن نوعِ الأدبِ والاصطلاحاتِ المُستخْدَمَة في هذه الكتب.

د. ريتشارد بوكام

 

نتناولُ الأسلوب الأدبي للأناجيلِ من زاوِيَتَين: الأولى، النظرُ في النوعِ الأدبي للأَناجيل، وميزاتِها الأدبيةِ الشامِلة. والثانية، نبحثُ في مِصداقيَّتِها التاريخية. لننظرْ أولاً في النوعِ الأدبي للأناجيلِ الأربعة.

 

النوع الأدبي

 

بصورةٍ عامة، النوعُ الأدبي هو صِنفٌ أَو نموذجٌ من الأدَب. ويُمكِنُ بالإجمالِ التمييزُ بين أنواعِ الأدَبِ من خلالِ صِيَّغِها الأدَبيةِ ودَورِها، مثلُ الشعر، أو النثر، أو أسلوبِ القِصَة، أو استِخْدامِ اللُّغَة الرَمزِية.

يحتوي الْكِتابُ المقدَّسُ على الكَثيرِ من الأنواعِ الأَدَبيةِ. على سبيلِ المِثالِ، هناكَ القِصَّةُ التَّاريخِيةُ، مثلُ قِصَصِ داودَ في العَهدِ القديم. وأدبُ الشِّعر، مثلُ المزامير. والرسائلُ هي نوعٌ أدبيٌ آخرُ، وكذلك النبوة، وهَلُمَّ جَرّا. ولكلِ نوعٍ أدبيٍ اصطِلاحاتُه الخاصَة، وطُرُقُه في الاتِّصال. لهذا السَببِ، من المُهمِ جدّاً بالنسبة لنا أن نفهمَ النوعَ الأدَبيَ للأناجيلِ. ويَسهُلُ علينا فَهمُ ما تُعِلُّمه تلكَ الأناجيل، عندما نَفهَمُ نوعَها الأدَبي.

ولكي نَفهمَ الرسالةَ التي تخاطبُنا في الأناجيل، علينا أن نُحدِّدَ نوعَ الأناجيلِ الأدَبيَّ. ونعالجُ هذا الدورَ على ثَلاثِ مراحل: الأولى، سنشرحُ بعباراتٍ عامَة كيف نتعرَّفُ إلى الأناجيلِ كقصةٍ تاريخية. الثانية، سنقارِنُ الأناجيلَ بنوعٍ مُحَدَّدٍ من السَردِ القِصَصي التاريخي، وأعني به سِيَر الحياةِ اليونانيةِ الرومانِية. والثالثة، سنقارنُ الأناجيلَ بالقصةِ التاريخيةِ الكِتابية، مثلِ سِجِلّاتِ تاريخِ العهدِ القديم. لنبدأْ بالفئةِ العامةِ، القِصةُ التاريخيّة.

 

القصص التاريخية

القِصَصُ التاريخية هي قِصَصٌ عن أشخاصٍ عاشوا في الماضي، وعن الأعمالِ والأحداثِ التي جَرَت في زَمَنِهم. والأناجيلُ هي في جَوهرِها قِصَصٌ تاريخيةٌ، إذ هي تُدوّنُ لنا حياةَ المسيحِ وخِدْمته.

 

كُتبَ جُزءٌ كبيرٌ من الكتابِ المُقَدَّسِ والأناجيلِ بأسلوبٍ سَرْدِيٍّ بشكلٍ مقصود، ذلك لأن الناسَ تُحِبُ القِصَص. فالقارئُ عندما يسمَعُ قِصةً رائعة، يتفاعلُ مَعَها بشكلٍ طَبيعيٍ، لا بأفكارِه فقط، بل أيضاً بِعَواطِفِه وأحاسيسِه. تُتيحُ لنا القِصَصُ أن نَعيشَ تَجارِبَ الآخَرين، وهذه ناحيةٌ مُهمةٌ من تأثيرِ القِصَة فينا. لذلك، فالأناجيلُ التي تَصِلُنا بصيغةٍ أدبيةٍ، عن طريقِ السَّردِ أو الرِّوايةِ الْقِصَصية، تُمَكِنُنا من التعرف إلى يسوعَ، واختِبارِه مباشرةً، ورؤيةِ مَلكوتِ اللهِ ومَلكوتِ السماواتِ في حياتنا. أن نَرى حَنانَ يسوعَ كتصريحٍ: “يسوعُ يُحِبُ اُلمتَواضِعينَشيء، وأن نَراهُ يَروي القِصَصَ ويُطَبُقها بحيث يرتِفَعُ المتواضعونَ ويَتَّضِعُ الْمُتَكَبِّرونَ، شيءٌ آخر. لذا فإن القِصَصَ والأشكالَ الأدبيةَ تُمَكِنُنّا من الْاِقْتِداءِ بيسوعَ كما فعلَ تلاميذُه، لذا، وكما قلنا، فإنّ سَماعُ القِصصِ بهذا الأسلوبِ السَرْدي يُمَكنّنا من اتِّباعِ يسوعَ والاقتِداءِ به، فنتَّحِدُ مع تلكَ الشّخصِياتِ في سَقَطاتِها ونَجاحِها، ونسعى للعَيشِ بأمانةٍ لله في حياتِنا اليومية.

د. جوناثان بينينغتون

 

كان إنشاءُ القِصصِ التاريخيةِ في الكِتاباتِ غيرِ الدينيةِ في العالمِ القديمِ يقعُ إجمالاً في ثلاثةِ أجزاءٍ رَئيسية: بدايةُ القِصة، وهي تُقدِّمُ شخصياتِ القِصة، وتضعُ هدفاً أمامَ تلكَ الشخصياتِ لتُحَقِقَه. ويَعرِضُ وسطُ القِصة عادةً التَحدياتِ أو العوائقَ أمام نجاحِ الشَّخصيةِ في تحقيقِ أهدافِها. والنهايةُ، هي خاتِمةُ رِوايةِ الأحداثِ، وتروي عادةً نجاحَ شَخصِياتِ القِصةِ في تحقيقِ أهدافِها، أو عَدَمِه.

وتتبعُ الأناجيلُ هذا التقسيمَ الأساسيَّ ذاتَه. فكلُ إنجيلٍ يبدأُ بتقديمِ يسوعَ كالشخصيةِ الرئيسيةِ في القِصة، ويَصِفُ هدَفَه في تَحقيقِ الخَلاصِ من خِلالِ ملَكوتِ الله. ويستمرُ كلُ إنجيلٍ بعَرضِ التَحدِّياتِ أمامَ سلطةِ يسوعَ وعملِه، وينتهي بوَصفِ نتيجةِ خِدمَتِهِ الأرضِيَة. وبسببِ التَشابُهِ بين الأناجيلِ والقِصَصِ التاريخِيّة، يَتفِقُ الجميعُ تقريباً على أن القِصةَ التاريخيةَ هي النوعُ الأدبيُ الغالبُ في الأناجيل.

 

سير الحياة اليونانية الرومانية

ومن ضمنِ الفئةِ الخاصة بالقِصةِ التاريخيةِ، أشارَ بعضُ المفسِّرينَ إلى أَن الأناجيلَ تنتمي إلى مجموعةِ القِصَصِ المَعروفةِ بسيرةِ الحياةِ اليونانية-الرومانية.

سنقومُ بمقارنةٍ بين الأناجيلِ وسِيَر الحياةِ اليونانيةِ الرومانيةِ على مَرحلتَين. الأولى، النظرُ في أوجُهِ الشَبهِ بينها. الثانية، النظرُ في بعضِ أوجُهِ الخلاف. لنبدأ بأوجُهِ الشبه.

 

أوجه الشبه. تروي سِيَرُ الحياةِ القديمةِ حياةَ القادةِ العُظَماء. ورُغمَ شُمولِها على العديدِ من الشّخصِيات والقِصَص، فإن سِيَرَ الحَياةِ اليونانيةِ الرومانيةِ عالجَتْ تلكَ الشخصياتِ والقِصَص، بطُرُقٍ ركَّزت فيها على القائدِ البارز. فدافَعتْ عنْ أفكارِ القائِد، وخلّدَت ذِكرى أفْعالِه من جيلٍ إلى جيل. وتُشبهُ الأناجيلُ سِيَر الحياةِ القديمةِ في هذه النواحي.

كذلك نُلاحظُ تشابهاً بين الأناجيلِ وبعضِ سِيَر الحياةِ القديمة، وذلك من خلالِ قصةِ ولادةِ يسوعَ الواردة في إنجيلَي متى ولوقا، كذلك من خلالِ تفاصيلِ مَوتِ يسوعَ المذكورةِ في الأناجيلِ الأربعةِ جميعِها. ومثلُ كتّابِ سِيَر الحياةِ القُدامى، رتّبَ كتّابُ الأناجيلِ الأحداثَ بينَ وِلادةِ يسوعَ وموتِه بِطُرقٍ متنوعة. أحياناً، رتَبوا الأحداثَ وِفقَ الترتيبِ الزمَني. وفي أحيانٍ أُخرى، صَنَّفوها بِحَسَبِ المَواضيع، أَو بحسبِ المواقعِ الجُغرافية.

 

نعم، أعتقدُ أنه من المُهِمِ أن نُدرِكَ أولاً، أن الأناجيلَ تتبعُ إجمالاً في الأصلِ تَرتيباً زَمنيّاً. على سبيلِ المثال، هي تبدأُ بالمَعمودياتِ مع يوحنا المَعمَدان، ثم تَرى يسوعَ يعتَمِدُ، ثم تراهُ يَخدِمُ، ثم بعدها يُقبَضُ عليه ويُحاكَم، ويُصلَبُ ثم يَقوم. من هنا، يوجدُ إجمالاً ترتيبٌ زمني. لكن في الوقتِ نفسِهِ تجدُ أحياناً في بعضِ المواضعِ وأنتَ تُقارنُ بينَ الأناجيل، أحداثاً أو نُصوصاً وردَت بترتيبٍ مختلف. وهنا أعتقدُ أن هذا يسبِّبُ مُشكِلَةً فقط إن كنا نقرأُ الأناجيلَ بقَصدِ إظهارِ أنها كُتبت بترتيبٍ زمنيٍّ دقيقٍ من كل ناحية. ولكنكَ تجدُ أن مُعظمَ الكُتّابِ وفي مُعظمِ أنواعِ الأدبِ القِصَصي، يُنَظِّمُ الكاتبُ مادَتَه بترتيبٍ غيرِ التَرتيبِ الزَمني، على سبيلِ المِثال، غالباً ما نرى ترتيباً مَنطقيّاً أو مَوضوعيّاً للمادَةِ المكتوبة. ويُشيرُ المَسيحيونَ الباكرون، أمثالُ يوسابيوس، وهو مُؤرِخٌ مَسيحيٌ وأُسْقُفٌ من القرنِ الرابع، إلى أن الاختِلافاتِ في ترتيبِ الأناجيلِ كانت شائِعةً على نطاقٍ واسع، ولم يُواجِه القُرّاءُ الباكرونَ مُشكلةً مع هذا الأمرِ لأنهم كانوا مُدرِكينَ أنَ التَرتيبَ الزمنيَّ الدقيقَ لم يكُنْ في قَصدِ الكُتَّاب.

د. ديفيد ردلينغ

 

وهناك ميزةٌ هامةٌ أخرى في سِيَر الحياةِ اليونانيةِ-الرومانِية، وهي سَردُها لأحداثِ الماضي كوقائعَ تاريخيةٍ بِحيثُ نَلحَظُ الفرقَ بين الماضي والحاضِر. فقد ركزَّت سِيَرُ الحياةِ على الكتابةِ عن حياةِ أشخاصٍ تاريخيينَ لا نظيرَ لهم، وعن إسهاماتِهم الفَريدة.

بصورةٍ عامة، سعى كُتّابُ سِيَرِ الحياةِ القُدامى إلى البحثِ عن سِجِلاَّتٍ شفويةٍ ومكتوبة والمحافظةِ عليها. على سبيلِ المِثالِ، ما قدَّمَهُ بلوتارخ كاتبُ سِيَر الحياةِ المحترَم، الذي عاشَ تقريباً في الفترةِ بينَ العامِ السادسِ والأربعينَ والمئةِ والعشرينَ للميلاد. كان بلوتارخ كاتباً يونانيّاً عِلمانيّاً كتبَ حوالي سنةِ سبعينَ ميلادية، أي في الفترةِ ذاتِها التي كُتبت فيها الأناجيل. بدأ مُؤَلَّفَه حياةُ شَيْشَرونبمعلوماتٍ عن والدَي شَيْشَرون، ولكِنهُ اعترفَ بمًحدوديِة ما لديهِ من معلوماتٍ عن والدِ شَيْشَرون.

 

يُقال عامة، أن هَلفيا والدةَ شيشرون، كانت من عائلةٍ عريقةٍ وعاشَتْ حياةً جيَّدَة. أما بالنسبةِ لوالدِه فالأخبارُ تتَضاربُ حوْلَه. فبينما يرى البعضُ أن والده كان يعمل في تبييض القماش تعلّم منه شَيْشَرون هذه الحِرفَة، يرى آخرون أَن أصلَ عائلَتِه يرجِعُ إلى تولوس أتيوس مَلكِ الفولشيين الشهير، الذي شنَّ حرباً مشرِّفةً ضدَ الرومان.

 

وتوَخِّي بلوتارخَ الحذَرَ في التمييزِ بين الحَقيقةِ والتَخمينِ في مسألةِ والدَي شَيْشَرون، يدلُّ على الأقلِ أَن كاتبِي السِيَر القُدَماء أعطوا انتباهاً للتَفاصيلِ التاريخيَة، وكانوا مهتمينَ بالدِقَة. وقد برهنَت الأناجيلُ أنها لا تقلُ دِقةً عن بلوتارخ في نقلِها للوَقائع.

من المُنصِفِ أن نقولَ عُموماً، إن الأناجيلَ هي قِصَصٌ تاريخيةٌ كُتبت في فترةٍ كان فيها أدبُ سِيَر الحياةِ شائعاً في العالمِ اليوناني - الروماني. وهذا الانفتاحُ الواسعُ الانتشارِ على سِيَر الحياةِ شجَّعَ على الأرجحِ كُتّابَ الأناجيلِ في مُهَمتهِم، وجَعَلَهم ميّالينَ إلى تبنّي بعضِ الاصطلاحاتِ الرَسميةِ لسِيَر الحياةِ تلك.

لكنْ على الرغمِ من أوجُهِ الشبه بين الأناجيلِ وسِيَرِ الحياةِ اليونانيةِ-الرومانية، فهناكَ أيضاً أوجهُ خلافٍ هامَة.

 

أوجه الخلاف. بالرغمِ من وجودِ أوجُهِ خلافٍ يُمكنُ الإشارةُ إليها، سنركِّزُ على ثلاثةٍ فقط: أولاً، تختلفُ الأناجيلُ عن سِيَر الحياة اليونانيةِ-الرومانيةِ من حيثُ القرّاءِ الموجَّهَة إليهم.

كانت سِيَرُ الحياةِ القديمةِ موجّهةً إلى فئةٍ أوسعَ من القُرّاء، بينما كُتبتِ الأناجيلُ إلى قرّاءٍ مُحدَّدين نِسبيّاً في الكنيسةِ الباكِرة. وبالرغمِ من إبداءِ الأناجيلِ سِماتٍ معيّنةً من سِيَر الحياة، فهي في جَوهرِها معدّةٌ للاستخدامِ الديني داخلَ الكنيسة. ويعزّزُ هذا القصدُ المحدَّدَ استخدامَها السريعَ في التعليمِ والعِبادةِ بشكلٍ مُنْتَظِمٍ داخلَ الكنيسة.

ثانياً، تختلفُ الأناجيلُ عن سِيَر الحياةِ من حيثُ نِقاطِ تشديدِها. تشدِّدُ سِيَرُ الحياةِ اليونانيةِ-الرومانيةِ بالإجمالِ على الصفاتِ الذاتيةِ لشخصياتِها الرئيسية، مشجَّعةً الآخرين على التشبُه بحياةِ تلكَ الشخصيات ومزاياهم. وبالرغمِ من أَن حياةَ يسوعَ هي مثالُنا من جوانبَ عدّة، فلا شكَ أَن للأناجيلِ تركيزاً مختلفاً، فهي تشدِّدُ على فَرادةِ يسوع، وتُركِّزُ عليه كالشخصِ الذي يُعلنُ اللهَ ويَفدي شعبَه، بينما يَعْجَزُ عن ذلك سواه. لهذا السبب، نرى أن قِسماً كبيراً من قِصةِ الأناجيلِ يتناولُ الأسبوعَ الأخيرَ من حياتِه – وهو أسبوعُ الآلام.

ثالثاً، الأناجيلُ وسِيَرُ الحياةِ القديمةِ تُمثِّل ثقافتَين مختلفتَين. سِيَرُ الحياةِ تعبِّرُ عن اهتماماتِ اليونانِ والرومانِ وعن قيمِهِم وأسلوبِ حياتِهم. أما الأناجيلُ فتقعُ بصورةٍ أكبرَ تحتَ تأثيرِ الثقافةِ اليهودية، لا سيما العهدِ القَديم. وهذا يَنطبِقُ حتى على إنجيلِ لوقا، وهو الإنجيلُ الأكثرُ تأثراً بالثقافةِ اليونانية وفكرِها.

في الخِتام، هناك أوجُهُ شَبهٍ بارزةٌ بين الأناجيلِ وسِيَر الحياةِ اليونانيةِ-الرومانية. ويُمكنُ لأوجُهِ الشَبهِ تلكَ أَن تُلقي بعضَ الضوءِ على مَعنى الأناجيل. لكن يتضحُ لنا من خلالِ أوجُهِ الخلافِ الهامةِ بينَها، أَن الأناجيلَ لا تتفقُ تماماً مع نَوع أدبِ سِيَر الحياةِ اليونانيةِ-الرومانية.

والآن بعدَ أن استَعْرَضْنا رواياتِ الأناجيلِ بعلاقَتِها بالقصَة التاريخيّة العامَة، وسيرةِ الحياةِ الرومانيةِ اليونانية، بِتنا مُستعدينَ أَن نقارنَها مع النوعِ الأدَبي للقصَة التاريخيّة الكِتابية.

 

القصص التاريخية الكتابية

بالإضافةِ إلى تَشابُهِ الأناجيلِ مع القِصَص التاريخيَّةِ النموذَجِية، وحتى مع سِيَرِ الحياةِ اليونانيةِ الرومانية، فهي تُشبِهُ بصورةٍ أكبَرَ القِصَصَ التاريخيَّةَ في العَهدِ القديم. ويَجبُ أَلاَّ يفاجِئَنا هذا. ففي النِهاية، شكَّلَتْ قِصَصُ العهدِ القديمِ جُزءاً من الأسفارِ المُقدَسّة لكُتّاب الأناجيل. ومن الإشاراتِ الكثيرةِ لكُتّابِ الأناجيلِ إلى العهدِ القديم، يمكنُنا أن نثقَ بأنَهم كانوا يَعرفونَ العهدَ القديمَ جيداً - وربما أفضلَ من معظمِ المسيحيينَ اليوم. ومَعرفتُهُم هذه بالعهدِ القديمِ أثرَتْ على طريقةِ قِيامِهم بعَملِهم.

فضلاً عن ذلك، كان لكُتّابِ الأناجيلِ وكُتّابِ قِصَصِ العهدِ القديمِ التاريخيَّةِ هدفٌ مشابهٌ وراءَ كتاباتِهِم، وهو شرحُ عهدِ اللهِ مع شَعبِه والدفاعُ عنه. على سبيلِ المِثال، تُوفّرُ القِصَصُ التاريخيَّةُ كالتي في خروجِ 1 – 19، الأساسَ التاريخيَ للعهدِ الموسوي الذي نجِدُه من 20 – 24.

وهذا الهدفُ واضحٌ في مقاطعَ مثلِ خروجِ 24: 8، حيث نقرأُ القِصةَ التالية:

 

وَأخَذَ مُوسَى الدَّمَ وَرَشَّ عَلَى الشَّعْبِ وَقَالَ: “هُوَذَا دَمُ الْعَهْدِ الَّذي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الاقْوَالِ“.

 

وتُقدِّم لنا قصصٌ كتابيَةٌ أخرى، مثلُ يشوعَ 1 – 23، الأساسَ لتَجديدِ العَهدِ في يشوعَ 24. وقِصَصُ كتب القُضاةِ وصموئيلُ الأولُ هي الأساسُ التاريخي للعهدِ مع داودَ في 2 صموئيلِ 7. وبطريقةٍ مُشابهة، تُقدِّم الأناجيلُ الأساسَ التاريخيَ للعهدٍ الجديدِ الذي أسَسَهُ يسوع.

استمِعْ إلى الطريقةِ التي تَعكِسُ فيها روايةُ لوقا في 22: 20 المقطعَ في خروجِ 24: 8 الذي قرأناهُ للتَو.

 

وَكَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضاً بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلاً: “هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ“.

 

باخْتِصار، عندما نقارنُ بين الأناجيلِ والأنواعِ الأدبيةِ الأُخرى المعروفَة، نجدُ أنها تُشبِهُ إلى حدٍّ بعيدٍ القِصَصَ التاريخيَّةَ الكِتابية. لكن هذا لا يعني أنها توافقُ القِصَصَ الكتابيةَ التاريخيَّةَ الأُخرى تماماً من كلِ ناحِية. فهي في النهايةِ تستمِدُ بعضَ الميزات من سِيَر الحياةِ اليونانيةِ-الرومانية. بهذا المعنى، يُمكنُ القولُ إن الأناجيلَ هي نوعٌ جديدٌ من الْقِصَّةِ الكتابيَّة التاريخيَّة. لذا، يُساعِدُنا ونحنُ نقرأُها، أَن نُفَكرَ بالأناجيلِ بصورةٍ رئيسيةٍ كقِصَصٍ تاريخيَّةٍ كتابية. لكن يَجبُ أيضاً أَن نرى تشديدَها على سيرةِ حياةِ يسوع، ونفهمَ الشخصياتِ الأُخرى بعلاقتِها به.

بعد أَن استعرَضْنا النوعَ الأدبيَ للأناجيل، بِتنا مستعدينَ لننتقلَ إلى السؤالِ حول مِصداقية الأناجيلِ كرِواياتٍ تاريخيّةٍ عن يسوع.

 

المصداقية

 

كان هناكَ باستمرارٍ عبرَ التاريخ، تمييزٌ بين المؤرخينَ الذين لهم مِصداقية والذين ليس لهم مِصداقية، وبين المَصادرِ التي يُعتَمَد عليها، وتلك التي لا يُعتمد عليها. والسؤالُ بالنسبِة لنا هو: هل كَتَبَ كتّابُ الأناجيلِ الأربعَةِ سِجلاتٍ لها مِصداقيِة حول حياةِ يسوع؟ ورُغمَ أن المِعيارَ في زمنِنا يختلفُ عن المعيارِ الذي اتبَعوه حينَها، فهناكَ الكثيرُ من الأدِلَّةِ على امتلاكِ مَتى، ومَرْقُس، ولوقا، ويوحنا، مَصادرَ المعلوماتِ والحافزَ ليكتبوا سجلاتٍ ذاتَ مِصداقيَةٍ عن يسوع.

بالرُغمِ من وجودِ طُرُقٍ لا تُحصى يمكنُنا أَن نبرهنَ من خلالِها أَن الأناجيلَ هي سجلاتٌ موثوقٌ بها عن حياةِ يسوع، سنُركّزُ على ستةِ نماذجَ من البراهين:

 

السجلات عن الأحداث

أولاً، كان في متناولِ كتّابِ الأناجيلِ سِجِلَّاتٌ عن الأحداث التي دَوَّنُوهَا. كما هي الحالُ اليوم، توقعَ العالمُ القديمُ من الْمُؤَرِّخِينَ أَن يكونَ في متناولهم العَديدُ من الْوَقَائِعِ المُتعَلقَةِ بمَوضوعِهِم.

تأَملوا معي مرةً أُخرى بِالْمُؤَرِّخِ الرُّومانِيِّ بلوتارخ، ففي تعليقاتِه الْاِفْتِتَاحِيَّةِ على حَيَاةَ ديموستينس، وَضَعَ تِلْكَ التَّوَقُّعَاتِ الثَّقافِيَّةَ الشَّائِعَةَ لِكَيْفِيَّةِ قِيَامِ الْمُؤَرِّخِ بِعَمَلِهِ:

 

في حالِ شَرَعَ شَخْصٌ ما في كِتابةِ التّاريخِ من الضَّروري في المرتَبَةِ الأولى وفوقَ كلِّ شيء، أَنيكونَ عندَه الكثيرُ من الْكُتُبِ من كلِ الأَنواع، وأن يَسمعَ ويتعرَّف إلى تلك التفاصيلِ التي أغْفَلَتْها أقلامُ الكُتَّابِ، لكنها حُفِظَت بأمانَةٍ أكثر في ذاكرةِ الناس، لئلا يكون عمَلُهُ ناقِصاً من عِدَّة جوانب.

 

وكما نرى هنا، فقد آمنَ بلوتارخ بشِدَّة أَن المؤرِخَ الذي له مِصداقيةٌ يجبُ أَن يتمكنَ من الوصولِ إلى مَصادرَ موثوقٍ بها. وقد وَضَعَ قيمةً كبيرةً على المَصادرِ الْمُتَوَفِّرَةِ، بِمَا فِيهَا السِّجِلَّاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَتِلْكَ المَنْقولَة شفويّاً.

كان كلُ واحدٍ من كتّابِ الأناجيلِ، إما شاهدَ عِيانٍ على حياةِ يسوع، أَو كان له اتصالٌ مباشرٌ مع شُهودٍ العِيان. ولمّا كان مَتى ويوحنا تلميذَيْن ليسوع، فقد كانا حاضِرَين في الكثيرِ من الأحْداثِ التي دَوَّناها. وكان مَرقُسُ مُرافقاً مقرَّباً من بُطرُس، تعلَّمَ مِنهُ مباشرةً. وقد سافرَ لُوقا مع بولسَ وسعى وراءَ شهودٍ عِيانٍ موثوقٍ بهم لكتابةِ إِنْجيله. اسْتمِع إلى ما كتَبَهُ لوقا في لوقا 1: 1 – 3:

 

إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَة رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إليك.

 

الصدق

ثانياً، يمكننا أَن نرى أيضاً المِصداقيةَ التاريخيَّةَ للأَناجيل، من خِلالِ المُستوى العالي للصِدْق في أعمالِهم. فالمعاييرُ القديمةُ للكِتابَة التاريخِيَّة الجيِّدة، تَطَلَبتْ من المؤرخينَ أَن يكونوا غير متحيّزينَ أَو صادقينَ بالطريقةِ التي نَقَلوا فيها الأحداثَ. وكان من المُتوَقعِ منهم أَن يُقدِّموا سلسلةً من التَفاصيل، بما في ذلك تلكَ التي لا تُؤَيِدُ الرسالةَ التي كانوا يقدَّمونها.

وما لهُ دلالتُهُ في هذا الصَدَد، هو أَن كُتّابَ الأناجيلِ غالباً ما وصفوا إخفاقاتِ تلاميذِ يسوع. وفي حالة مَتى ويوحنا، عَنى ذلكَ وصفَهُما لإخفاقاتِهِما الشَخْصية. وفي حالِ أصابَ بعضُ المفسِّرينَ بأن الشابَ الذي ركَضَ عُرياناً من بستانِ جَثْسَيْمَانِي في مَرقُس 14: 51 – 52 هو مَرقُس نفسُه، يكونُ مَرقُسُ قد وَصَفَ أيضاً عُيوبَه الخاصَة. وكَشَفَ كلُ كُتّابِ الأناجيلِ دونَ استثناء إخفاقاتِ تلاميذِ يسوعَ بصورةٍ عامة، مُقِرّينَ بأَن قادةَ حركةِ كنيستِهم الفَتِيَةِ كانوا بعيدين عن الكَمال.

كَمَثلٍ واحدٍ فَقَط، يُسَجِّلُ لنا مَرْقُسُ 6: 51 – 52 إخفاقَ تلاميذِ يسوعَ في فَهمِ مُعْجزةِ إشباعِ الخمسةِ آلاف:

 

فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدّاً إِلَى الْغَايَةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِالأَرْغِفَةِ إِذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً.

 

مرةً تلوَ المرة، يُخبِرُنا كُتّابُ الأناجيلِ سوءَ فَهْمِ تلاميذِ يسوعَ وإخْفاقاتِهِم الأخْلاقِيَة. لكن إن كانتِ الإشارةُ إلى تِلْكَ الإخفاقاتِ ستقلِّلُ على الأرجحِ من سُلطةِ وهَيْبَةِ قادَةِ الكنيسة، فلماذا أشارَ كتّابُ الأناجيلِ إلَيها؟

 

ينزعجُ الكثيرُ من القُرّاءِ من حقيقةِ تصويرِ التلاميذِ غيرَ كامِلينَ وغيرَ فاهمينَ تماماً للحقائقِ الواردةِ في الأناجيل. فهذا يشيرُ من جِهة، إن جازَ التعبير، إلى مصداقية تقليدِ الإنجيل – أي أن البَشيرين كانوا مُستعدينَ في الواقعِ أن يُضَمِّنوا كِتاباتِهم ما يجعلُ من قادةِ الكنيسةِ الباكرينَ يَبدونَ، إن لم نَقُلْ سيئين، على الأقلِ غيرَ جيِّدين كفاية. من هنا، يُمكِنُ اعتبارُ ذلكَ شهادةً لصدق أناجيلِنا ودِقَتِها.

د. ديفيد باور

 

دعني أقولُ لكَ إن قيامَ التلاميذِ بإظهارِ ضعفِهم على حقيقتِه في ِقِصَصِهم هو إحدى الحُجَجِ القَوِيَةِ على صدق الأناجيل. فأنتَ مثلاً عندما تقرأُ السِجلاتِ القَديمةِ لمُلوكِ بابلَ أو مُلوكِ أشور، أو أباطِرَةِ روما، تَرى أنها تباه بانتصارات وفُتُوحَاتٍ، وبطولات. واليوم نحنُ ننظرُ إلى الماضي ونَتَساءل، ما الذي حَدَثَ بالفعل؟ ثم ننظرُ إلى التلاميذِ فإذا هم مُجَرَدُ فكِّر مثلاً: أَيُّ أحمقٍ يختلِقُ دِيناً.. ديناً بطله يُصلبُ، وهذا الصلبُ دليلٌ على التحريضِ على الفِتْنَةِ والخروجِ على القانونِ بالنِسبةِ للرومان، والصَلبُ هو لعنةٌ بالنِسبةِ لليَهود، وهم قُرّاءُ الأناجيلِ الأوَلون. فلا يُمكنُ اختلاق ذلكَ لو لم يحدث بالفعل.

د. دان دورياني

 

البرهان

ثالثاً، ثقتُنا بمِصداقية كتّابِ الأناجيلِ تعزّزت من خلالِ برهانِ المصادرِ التاريخيَّةِ الأُخرى. فالمؤرخونَ الرومان واليَهود أقرّوا بعددٍ من المزاعِمِ في قِصَصِ الأناجيل، حتى إن عِلمَ الآثارِ الحديثَ وجدَ أدلةً تدعمُ صِدقَ ما وردَ فيها.

على سبيلِ المِثال، المُؤرِّخون اليونان والرومان مثل بلَيني الأصغَر وسوتانيوس وتاكيتوس ويوليوس أفريقانوس أشاروا إلى بَعضِ المَعلوماتِ الأوليةِ عن حياةِ يسوعَ ومَوتهِ مَصلوباً، وعن أثَرِه المُستمِر.

 

إذن عندنا المؤرِّخُ اليَهودي يوسيفوسُ الذي كَتبَ تاريخَ اليَهودِ للحُكومَةِ الرومانِيَة في القَرنِ الأوَلِ للمِيلاد وهو يُشيرُ إلى يسوعَ المسيحِ كشَخْصٍ موجودٍ وله جَماعَةٌ من الأَتْباع. وعندنا المُؤّرخُ الروماني تاكيتوس في القرنِ الأولِ للميلاد، في الفَترةِ الزَمَنيِة التي عاشَ فيها يُوسيفوس، كَتَبَ عن يسوعَ المسيحِ مُشيراً إلى أنّ لهُ جماعةً من الأتباع. حتى التلمودُ اليَهودي أشارَ إلى وُجودِ يَسوع.

د. ستيفين تسوكولاس

 

أعتقد أن هناك ناحيةً عامةً تجعلنا في وضعٍ أفضل من السابق في فَحْصِ مِصداقيةِ الأناجيل. فنحنُ نعرفُ اليومَ عن فِلسطينَ في القَرنِ الأولِ أكثر بكثير مما كنا نَعرفُه في الخَمسينَ سنةً الماضِية. فمن خِلالِ الاكتِشافاتِ الأدبيةِ مثلِ مَخطوطاتِ البحرِ المَيْت، وعلمِ الآثار الذي يتَقدَمُ بخُطىً ثابتة في الأراضي المُقَدَسَّةِوهناكَ اكتشافاتٌ حديثةٌ باستمرار. لذلك يمكننا القول إنّنا نَعرِفُ الكثير الآن، إذا جازَ التَعبير، عن الخلفيةِ التي خَدَمَ فيها يسوع المسيح. وهناك كلُ أنواع الطُرُقِ التي يُمكِنُنا أن نسألَ من خِلالِها إن كانتِ الأشياءُ التي تقولُها الأناجيلُ تتلاءمُ مع هذه الخَلفيَة. هل يَبدو مَنطِقياً أن نرى يسوعَ كمعلمٍ يهودي في تلك الخلفيةِ المحدّدة؟ وأعتَقدُ أنَه بصورةٍ عامة، يُمكُنِنا القول، إن ما تَقولُه الأناجيلُ مُلائِمٌ تماماً. وعندما نَتَذَكرُ أن الظُروفَ في فِلَسطينَ تغيَّرت بلا شك جَذْرِيّاً بعد الثورةِ اليهودِيَةِ بين العامَين السادسِ والستينَ والسبعين، نجدُ أنه كان هُناك فترةً زمنيةً محدودةً لنفحصَ فيها إن كانت الأناجيلُ تتلاءمُ مع تلكَ الفَتْرةِ، أو أنها تَعكِسُ ببساطة الوضعَ بعد الثورةِ اليهودية، ففي الحالةِ الثانيةِ لا نتوقعُ أن يكون للمادةَ المكتوبةِ صلةٌ مع الوضعِ الذي نعرفُه عن اليهوديةِ في الفترةِ الباكرةِ من القرنِ الأولِ.

د. ريتشارد بوكام

 

التدريب

سببٌ رابعٌ للوثوقِ برِواياتِ الأناجيلِ هو أنَ التدريبَ الذي تَلقاهُ تَلاميذُ يسوع، علَّمَهم دونَ شَك كيفَ يَحتَفِظونَ بِسِجِلٍ دَقيقٍ لكلِماتِه وأفْعالِه.

كانت التلمذةُ في إطارِ الثَقافةِ اليَهودية، طريقَ حياةٍ راسِخاً. في الواقع، الكلمةُ العِبريَّةُ للتلميذِ هي تَلميد، وتَعني طالباً أو مُتَعلِّماً. وعلى وجهِ الخُصوص، كان التلميذُ طالباً عند حَكيمٍ مُعيِّنٍ أَو حاخام. علاوةً على ذلك، كان الحِفْظُ عن ظهرِ قَلبٍ في الثقافةِ اليهوديةِ في زَمَنِ يسوع، أحدَ التمارينِ الرئيِسيةِ في التعلُّمِ من الحاخام. وكانت إحدى مَسؤولياتِ التِلميذ، تعلُّمَ كلماتِ المُعلم وحِكمتِه.

اسْتَمِعْ إلى كلماتِ يسوعَ إلى تَلاميذِه في لوقا 6: 40:

 

لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ بَلْ كُلُّ مَنْ صَارَ كَامِلاً يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ.

 

ما قصدَهُ يسوعُ هو أن على من يَتبَعُه أن يَدرُس، ويَتَعلَم، ويُشكِّلَ حياتَه وِفقَ تَعاليمِه وأعْمالِه.

أَمَا التلاميذُ الاثْنَا عَشَر، وَهمْ الْأَكْثَرُ قُرْباً مِنْ يَسُوع، فَقَدْ كَانَتْ عَلَيهمْ مسؤوليةٌ جسيمةٌ بِأَنْ يَتَعَلَّمُوا تعاليمَ يَسُوع، بَيْنَما يُرَجَّحُ أَنْ كَثِيرِينَ غَيْرَهُمْ حَفِظُوا فِي ذاكرتِهِم الْكَثِيرَ مِنْ تعاليمِهِ.

 

القناعات اللاهوتية

خامساً، يجبُ ألا نُقَلِّلَ أبداً من حَقيقةِ أن كُتَّابَ الأناجيلِ كانت لهُم [قناعاتٌ لاهوتية] قوية شدَّدت على الحاجةِ إلى سِجلٍّ صادقٍ وموثوقٍ به. على سَبيلِ المِثال، في يوحنا 20: 31، كَتبَ الرسولُ هذه الكلمات:

 

وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.

 

في هذا المَقْطَع، أعلنَ يوحنا بوضوحٍ أنهُ يُمكِنُ للناسِ أن يَنالوا هِبَةَ اللهِ للحياةِ إن هم عَرَفوا الحَقَ عن يَسوعَ وتَمَسَكوا به.

بطريقةٍ مُشابِهَة، سَجَّلَ متى كَلِماتِ يسوعَ التالِية في 28: 19 – 20 من إنجيلِه:

 

فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ.

 

صرَّح متى هنا أنهُ أُلقِيَتْ على عاتِقِ تلاميذَ يسوعَ مسؤوليةُ تعليمِ كلِ ما أمرَهُم به. وكأتباعٍ حَقيقيِينَ ليسوع، لا يُمكِنُهُم أن يَتَجاهلوا الحاجةَ إلى سِجلاتٍ دقيقةٍ حولَ ما فَعَلَهُ وقالَه.

لم يُسجِّلْ كُتَّابُ الأناجيلِ أحداثَ حياةِ يسوعَ لمُجَرَّدِ قيمَتِها التاريخيَّة، بل على نقيضِ ذلك، عَرفوا أن الإيمانَ بيسوعَ كان أكثرَ من مُجَرَّد مَعرفةٍ للوقائعِ التاريخيَّة عنه. كما عرفوا أيضاً أن الإيمانَ الحقيقيَّ لا يُمكنُ أن يستنِدَ إلى سِجِلاتٍ تاريخيَّةٍ مُزَّيفَة، أو يشوبُها الخطأ. وقد عبَّروا عن كلماتِ يسوعَ وأفْعالِه بوضوحٍ ودِقَةٍ لأنهُم أرادوا أن يُؤمنَ قُراؤهم بيسوعَ الحقيقي، يسوعَ التّاريخي.

 

الروح القدس

سادساً، كما هي الحالُ بالنسبةِ لكلِ كُتَّابِ ما جاء في الكتاب المقدس من كتب، لم يُترَكْ كتّابُ الأناجيلِ بِمُفرَدِهم ليكتُبوا سجلَّ كلماتِ يسوعَ وأفْعالِه. فقد قادَهُم الروحُ الْقُدُسُ في هذا الجُهد.

 

إنَّ وحيَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ عَقِيدَةٌ حَيَويَةٌ لِأَنَّهَا تعتبرُ أَن هناك كَاتِباً وَاحِداً نهائياً لكلِّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فَعَنْدَمَا نَنْظُرُ إِلَى الْأَناجيلِ نَجِدُ أَرَبْعَةَ كُتَّابٍ مُخْتَلِفَيْنَ يُقَدِّمُونَ أَرْبَعَ وُجُهاتِ نَظَرٍ عَنْ يَسُوع، يَجِبُ أَنْ نُثَّمِنَ وُجُهات النَظَرِ تِلْكَ، بما أَنّ الروحَ الْقُدُسَ أَوْحَى بِهَا كُلِها. فَلِلْكُتَّابِ بَرامِجٌ لاهوتِيَةٌ تتنوع في تفاصيلها، وقرّاءٌ مُخْتَلِفُونَ، وخِلفياتٌ وَاِختبَارَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ يَسُوع ، لَكن مَعَ ذَلِك، تُشَكِّلُ الْأَناجيلُ وحدَةً رَائِعَةً فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعُودُ التنّوُعُ فِيهَا إِلَى الدورِ الْبَشَرِيّ فِي الْكِتَابَةِ. وَوَحْيُ الروحِ الْقُدُسِ للأناجيل لَا يُلْغِي الْعُنْصُرَ الْبَشَرِيَّ، بَلْ مَا يَعْنِيهِ هُوَ أن اللهَ يَصِلُ تماماً إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْ خِلَالِ تِلْكَ الْجُهُودِ الْبَشَرِيَّةِ.

د. إريك ثيونيس

 

اِسْتَمَعْ إِلَى كَلِمَاتِ يَسُوعَ فِي يُوحَنَا 14: 25 – 26:

 

بِهَذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.

 

مَهْمَا بَلَغَتْ قُدْرَةُ التَّلاَمِيذِ عَلَى الْحِفْظِ، لَمْ يَكُنْ فِي مَقْدُورِهِمْ إِتْقَانُ كُلِّ شَيْء. لهذا السبب وعد يسوع بإرسال الروح القدس إلى رسله. والروح القدس مكّنهم من أن يتذكروا ما احتاجت الكنيسة أن تعرفه عبر العصور حول ما فعله يسوع وقاله.

 

وكما كَتبَ يوحنا في 21: 25 من إنْجيلِه:

 

وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ.

 

مِنْ الْمُلْفِتِ لِلْنَظَرِ أَنَّه عَنْدِمَا نَتَحَدَّثُ مَعَ بعض الناس عَنْ يَسُوعَ وَنَسْأَلُهُمْ مِنْ هُوَ يَسُوعُ؟ يُجِيبُ بَعْضُهُمْ: إِنَّه رَابِي أَوْ مُعَلِّم، وَقَدْ يَقُولُ أتباعُ دِيانَاتٍ عَالَمِيَّةٍ أُخْرَى، أَوْ مِنْ اِنْتِماءَاتٍ فلسفية أُخْرَى، أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةٍ عَنْه، لَكِنَّ اللهَ بِحكمتِهِ قَادَ بِالرّوحِ الْقُدُسِ الشُّهُودَ الَّذِينَ عَايَنُوا يَسُوعَ لِيَكْتُبُوا مَخْزُونَ الْإيمَانِ فِي أَرْبَعِ سِجِلَّاتٍ مُتَكامِلَة بِحَيْثُ لَدَينَا مَتَى، وَمَرْقُسَ، وَلُوقَا، وَيُوحَنَا، شَهَادَةَ عَيانٍ مُحَدَّدَةً مِنْ الْكَاتِبِ نَفْسِه أَوْ مِنْ مَصَادِرِهِ، شَهَادَةً مَحْرُوسَةً بِالرّوحِ الْقُدْسِ تَخْدُمُ كَمِقْيَاس؛ بِحَيْثُ إِنَّ قَالَ أَحَدُهُمْ إن يَسُوعَ نَطَقَ بِهَذَا أَوْ وافقَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَوْ لم يُوَافِق، فَاللهُ أعطانا سِجّلاً غَيْرَ قَابِلٍ لِلْشَكِّ يُمْكِنُنَا الْعَوْدَةِ إِلَيه كَمَرْجِعٍ لِإيمَانِنَا.

د. روبرت بلَمر

 

المنزلة في الكنيسة

 

وَالْآنَ بَعْدَ أَنْ تَحَدَّثْنَا عَنْ الأسلوبِ الْأدَبِيِ لِلْأَناجيلِ، غدَوْنا مُسْتَعِدَّيْنَ أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى مَنْزِلَتِهَا فِي الْكَنِيسَةِ كَنُصُوصٍ مَكْتُوبَةٍ ذَاتِ سُلْطَان. سَنَسْتَطْلِعُ مَنْزِلَةَ الْأَناجيلِ فِي الْكَنِيسَةِ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ في تَأْلِيفِهَا وصِحَّتِهَا كَكَلِمَةِ اللهِ. لِنَنْتَقِلْ أَوَلَاً إِلَى تَألِيفِهَا.

 

التأليف

 

عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنْ تَأْلِيفِ الْأَناجيل، نَحْنُ نَعْنِي الطَّرِيقَةَ الَّتِي كُتَبِتْ فِيهَا. مَنْ كَانَ مُؤَلِّفُوهَا؟ لِماذا كَتَبُوا تِلْكَ الكتب؟ كَيْفَ كَتَبُوا تِلْكَ الكتب؟ مِنْ المُهّمِ أَنْ يَدْرُسَ الْمَسِيحِيُّونَ أسْئِلَةً مُمَاثَلَة، لَأَنَ عَدَداً لَا يُحْصَى مِنْ الْمُفَسِّرِينَ رَكَّزُوا عَلَى عَمَلِيَّةِ التأليفِ الْبَشَرِيّ لِلْحَطِّ مِنْ قِيمَةِ السُّلْطَةِ الْإلَهِيَّةِ لِتِلْكَ الكتب. لَكِنَّ الْفَحْصَ الدَّقيقَ يَجْعَلُنَا نَثِقُ بِأَنْ تِلْكَ الْأَناجيلَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَعْمَالِ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ هِي كَلِمَةُ اللَّهِ أيضاً، وهذا خبرٌ سارٌ لنا.

سَنَنْظُرُ فِي ثَلاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِتَأْلِيفِ الْأَناجيلِ. أَوَلاً، درسُ أَوَجْهِ الشبه بَيْنَ سِجِلَّاتِ الْأَناجيلِ الْمُخْتَلِفَةِ. ثَانِياً، البحثُ فِي بَعْضِ نَظْرِيَاتِ التأليفِ الَّتِي نَشَأَتْ لِتُفَسِّرَ أَوَجُهَ الشِّبْهِ تِلْكَ. وَثَالِثاً تقديمُ بَعْض التَّعْلِيقَاتِ حَوْلَ مَدى صِحَّةِ تِلْكَ النَّظْرِيَاتِ. لِنَبْدَأْ بِالْإشارَةِ إِلَى أَوَجُهِ الشَبهِ بَيْنَ الْأَناجيلِ.

 

أوجه الشبه

رُغمَ أَنَّهَا كُتَبِتْ مُنْفَصِلَةً، فإن سِجِلَّاتِ أَناجيلِ مَتَى ومَرْقُسَ ولُوقَا تُصَنَّفُ غَالِباً معاً وَتُدْعَى بالْأَناجيلِ الْمُتَشَابِهَةِ النَّظْرَةِ وَهذا التَّعْبِير، يَعْنِي الرُّؤْيَةَ المتوافقة، وَاسْتُخْدِمَ هَذَا التَّعْبِيرُ لِلْأَناجيلِ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي إِلَى حَدٍّ بِعِيد الْمَادَّةَ ذاتَها. فَهِي تَتَضَمَّنُ الْكَثِيرَ مِنْ الرِّواياتِ ذاتِها حَوْلَ كَلِمَاتِ يَسُوعَ وَأَفْعَالِهِ؟ وَهِي عَنْدَمَا تَنْقُلُ إِلَينَا أَقْوَالَ يَسُوعَ، غَالِباً ئَا تَسْتَخْدِمُ الْكَلِمَاتِ ذاتَها.

على سَبيلِ المِثال، تأَمَّلْ بِشِفاءِ المَفلوج. نَقرأُ في متى 9: 6 هذا الوصفَ لكلماتِ يسوعَ وأفعالِه:

 

وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!”

 

والآن استَمِع إلى مَرقُسَ 2: 10 – 11:

 

وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا - قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ.

 

ونقرأ أيْضاً في لوقا 5: 24:

 

وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ“.

 

نَرَى فِي هَذَا الْمَثَلِ أَنْ كُلَّ إِنْجيلٍ مِنْ الْأَناجيلِ الْمُتَشَابِهَةِ النَّظْرَةِ يَرْوِي لَنَا كَلِمَةً كَلِمَةً تَقْريباً قِصَّةَ الْمُعْجِزَةِ ذاتِها. نَجِدُ قِصَصاً أُخْرَى مُتَوَازِيَةً فِي اِثْنِيَنِ عَلَى الْأقَلِ مِنْ الْأَناجيلِ الثَّلاثَةِ الْمُتَشَابِهَةِ النَّظْرَةِ منها: شِفَاءُ الْأبْرَصِ، طَرْدُ رَوحٍ شِرِّيرٍ فِي كَفَرناحوم، شِفَاءُ حَماةِ بُطْرُس، إِسْكاتُ الْعَاصِفَةِ فِي الْبَحْرِ، إقامَةُ اِبْنَةِ يايرُس، إعطَاءُ الاثنَي عَشَرَ سُلطاناً، مَشيُ يَسُوع عَلَى الْمَاءِ، شِفَاءُ الرَّجُلِ الَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٍ، إِشْباعُ الْخَمْسَةِ آلاَفِ شَخْصٍ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْأَرْغِفَةِ وَالسَّمَكِ، وتجلّي يَسُوعَ.

 

تُعرَفُ الأناجيلُ الثَلاثةُ، متى، مَرقُس ولوقا، غالباً بالأناجيلِ المُتشابهةِ النَظرَة لأنها تَنظُرُ في الواقعِ إلى الأمورِ من وُجْهَةِ نظرٍ مُتَشابهَة. وهذا ما يجْعَلُنا نتساءَلُ أحياناً، لماذا نَحتاجُ إلى ثَلاثةِ أناجيل؟ ألا يكْفي واحدٌ؟ في الحقيقةِ يكونُ من المؤسفِ أن نَخسَرَ أيّاً من الأناجيلِ الثلاثةِ المُتشابهةِ النَظرةِ لأنَ كلَ واحدٍ منها يُسهم في الواقِع بشيء مختِلفٍ قليلاً، ولعلهُ من المفيدِ أن نرى بعضَ الفروقِ بينَها. فإنجيلُ مَرقُس هو أكثرُ حيويةً من إنجيل متى ولوقا، وهو يُخبِرُنا في الواقع عن بعضِ القِصَصِ الفرديةِ بتفصيل أكبر، رغمَ أنه الإنجيلُ الأصغر. وقد اختصر متى تلك القِصَص إلى حدٍ بعيدٍ ليُضمِّنَ إنجيلَه مادةً إضافية، فقد سعى بصورةٍ خاصةٍ إلى إضافةِ خطاباتِ يسوع التعليمية، بينما تغيب عن إنجيلِ مَرُقسَ معظمُ تلك التعاليم. من هنا يُقدِّمُ لنا إنجيلُ متى يسوعَ صاحبَ السلطانِ العظيم، يسوعَ المُعلم، وإن أردتَ نوعاً من المُوجَزِ لتعليمِ يسوع، فإنجيلُ متى هو ذلك المُوجز. بينما أعطانا لوقا المزيدَ من التَعليم. بالتحديدِ، أعطانا أمثالاً أكثرَ من مَتى، وألقى المزيدَ من الضَوءِ على صورةِ يسوعَ وهو يَحتكُ بكلِ أنواعِ الناس. في لوقا مثلاً، يسوعُ أكثرُ شموليةً وحباً وأكثرُ اهتماماً. يعتقدُ البعضُ أن لوقا لم يَكُنْ مجرَدَ طبيبٍ، بل إنه كان نوعاً من المُعالِجِ النَفْسي وصاحبَ قدرةٍ على نَقلِ العاطفةِ البشريةِ بصورةٍ جيّدة. وبالتالي فالأناجيلِ الثلاثة، نفيسةٌ جِداً ويجب أن نُثمِّنَ كلَ واحدٍ منها.

د. بيتر واكر

 

أَعْتَقِدُ أَنْ السَّبَبَ الْجَوْهَرِيَّ لِوُجُودِ ثَلاثَةِ أَناجيلٍ تَرْوي لَنَا قِصَّةَ يَسُوعَ بِطَرِيقَةِ وَاحِدَةٍ تَقْريباً، هُوَ أَنّ غِنى شَخْصِ يَسُوعَ وَجَمَالَه لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْحَصِرَ فِي سِجِلٍّ وَاحِدٍ. مِنْ هُنَا، عَنْدَمَا نُفَكِّرُ بِمَا قَصَدَهُ اللهُ، لَا يقدِرُ كَاتِبٌ وَاحِدٌ أَنْ يُقَدِّمَ لَنَا صُورَةً شَامِلَةً عَنْ أهَمِّيَّةِ إِنْجازَاتِ يَسُوعَ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَلَكِن أنا أُرِيدُ أَنْ أُضيفَ شيئاً، أَنَّه يَجِبُ أَنْ نَكُونَ حَسَّاسِينَ لِلْفُرُوقِ فِي الْأَناجيلِ. صَحِيحٌ أَنَّهَا تَقَوُّلُ الشَّيْءَ ذاتَه فِي الْجَوْهَرِ، ولكِن هُنَاكَ خواص وتفاصيل صغيرةً تميّزُ كُلَّ إِنْجيل. فتُخْبِرُنَا الأناجيلُ مِنْ جِهَةٍ القِصَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ لما فَعَلَ يَسُوعُ، لكن تُبَيِّنُ لَنَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِه أوجُهاً مُخْتَلِفَةً لِيَسُوع. فَهِي أَشْبَهُ بِرَسْمٍ مُتعدِّد الْأَلْوَانِ، وعَنْدَمَا نَنْظُر إليهِ مِنْ زَوايا مُخْتَلِفَةٍ نَرَى صُوَراً متمايزة عَنْ شَخْصِ يَسُوع. مِنْ هُنَا، نَرَى حِكْمَةَ اللهِ، وَوَحْيَ الرّوحِ الْقُدُسِ فِي إعطائِنا هَذِهِ الصُّورَةَ الْمُتَعَدِّدَةَ الْأَوْجُهِ لِيَسُوعِ.

د. توماس شراينر

 

في مقابلِ الْأَناجيلِ الْمُتَشَابِهَةِ النَّظْرَةِ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ مَادَّةِ إِنْجيلِ يُوحَنَا فَرِيدَةٌ مِنْ نَوْعِهَا. فَفِي الْوَقْتِ الَّذِي دَوَّنَ يُوحَنَا أيضاً أَنّ يَسُوعَ مَشَى عَلَى الْمَاءِ وأَشْبَعَ الْخَمْسَةَ آلاَفٍ، تَضَمَّن إِنْجيلُهُ أيضاً الْكَثِيرَ مِنْ الْأَحْدَاثِ غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْأَناجيلِ الْمُتَشَابِهَةِ النَّظْرَةِ. عَلَى سَبِيلِ المِثال، وَحْدَهُ يُوحَنَا أَشَارَ إِلَى تَحْوِيلِ يَسُوعَ الْمَاءَ إِلَى خَمْرٍ، وَإِلَى حَديثِهِ مَعَ الْمَرْأَةِ السَّامِريَّةِ، وإقامَتِهِ لِعازرَ مِنْ الموت.

لكنْ على الرُغْمِ من الاختِلافِ في قِصَصِ خِدمَة يسوعَ وحياتِه بين الأناجيلِ الأربعَة، فجميعُها تَشهدُ لمَعموديِةِ يسوع، وعَشائِه الأخيرِ مع تَلاميذِه، ومَوتِه على الصَليب، وقِيامتِه من بينِ الأمْوات.

وقد قادتْ أوجهُ الخِلافِ وأوجُهُ الشَبَهِ بين الأناجيلِ إلى الكثيرِ من التَفسيراتِ المُتعارِضَة. لذلك، دعونا ننتقلُ إلى نظرياتِ تأليفِ الأناجيل.

 

نظريات التأليف

 

بسببِ أوجُهِ الشَبَهِ المتعدِّدَةِ بينَ الأناجيلِ المتشابِهَةِ النَظْرة، وَضَعَ الباحِثون العَديدَ من النَظِرياتِ التي تتعلقُ بتاريخِ تأليفِها. وهذه النظرياتُ هي غالباً مُعقَّدَةٌ ويُمكنُ أن تكونَ مُربِكَةً عندما نبدأُ بدِراسَتِها. ويُمكِنُنا أن نُلَخِّصَ النَظرياتِ الأكثرَ شعبيةً بهذه الطَريقَة: يَعتقِدُ مُعظَمُ المُفَسِّرينَ أن مَرقُسَ كُتِبَ أولاً، وأن مَتى ولوقا استخدَما مَادةَ مَرقُس، ومَصادرَ أُخرى أيضاً. ويَرَى مُفَسِّرونَ آخَرونَ أن متى كُتِبَ أولاً، وأن مَرقُسَ استخدَمَ مادَة متى، ولوقا استَخدَم مادةَ كُلٍ مِن مَتى ومَرقُس. كما يعتقدُ آخَرونَ أن متى ولوقا استَندا إلى مَصادِرَ لم تَعُدْ مَوجودةً اليوم، وأن مَرقُسَ استقى مادَة إنجيله من كِلَيْهِما. فحتى مقارنةُ الميزاتِ العامَةِ لهذه النظَرِيات، قد يكونُ مُربِكاً بعضَ الشيء.

لكن على نَقيضِ الأناجيلِ الأُخرى، فإن تأليفَ يوحنا بَسيطٌ نوعاً ما. ويَتَفِقُ مُعظمُ المفسِّرينَ أنه كُتِبَ نَحوَ نهايةِ القرنِ الأوَل، وأن يوحنا كان على علم بإنجيلٍ واحدٍ على الأقل، وربما بكلِ الأناجيلِ المتشابِهَةِ النظرة. ويبدو أنه تَجَنَبَ تَكرارَ الكثيرَ من المادَةِ التي عرفَ أنَه أُشيرَ إليها في الأناجيلِ المُتشابِهَةِ النَظْرة، واختارَ أن يُقدِّمَ معلوماتٍ إضافيةً كانت مناسبةً جداً للجَماعاتِ المسيحية التي خَدَمَ بينَها.

وفيما نبقي نظرياتِ التأليفِ هذه في أذْهانِنا، لنَبْحَثُ في مَدَى صحة هَذِه الأَناجيل.

 

اليقين 

 

يجِبُ أن ندركَ في البدايةِ أن كُتَّابَ كتب الكتاب المقدس غالباً ما استَخدَموا التقاليدَ الشفويةَ والمَكتوبَة - وهذا لا ينتقصُ من قيمتِها كأسفارٍ مُوحى بِها ولها سُلطان. لذا لا يُوجد أيُّ مُشكِلَة مَبدئيّاً في الإيمانِ بأن يكونَ أحدُ كتّابِ الأناجيلِ قد اعتمدَ على مَواد من مَصادرَ سابِقة. وكما أشارَ لوقا في 1: 1 – 3:

 

إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ.

 

يَبْدُو أَنْ جَمِيعَ كُتَّابِ الْأَناجيلِ الآخرينَ كَانَ فِي مُتَنَاوَلِهِمْ مَصَادِرُ مُمَاثِلَةٌ عَلَى الرُغمِ مِنْ أَنَهَمِ لَمْ يُشِيرُوا إِلَيهَا بِوُضُوحٍ كَمَا فَعَلَ لُوقَا. وَإِن سَلمْنَا جَدَلاً بِرَأْيِ مُعْظَمِ الْمُفَسِّرِينَ بِأَنَ مَرْقُسَ كَتَبَ أَوَلاً، فَذَلِكَ يَعْنِي أَنَّه لَمْ يَكُنْ بِحَوْزَتِهِ أَيُّ إِنْجيلٍ كُتِبَ سَابِقاً لَكِن مِنْ شِبْهِ الْمُؤَكِّدِ أَنَّه اعتَمَدَ عَلَى الْأقلِ على تَقالِيدَ شَفَوِيَّةٍ مِنْ صَدِيقِهِ الْمُقَرِّبِ بُطْرُسَ. اِسْتَخْدَمَ لُوقَا وَمَتَى عَلَى الْأَرْجَحِ إِنْجيلَ مَرْقُسَ كَنَمُوذَجٍ. بِالْإضافَةِ إِلَى ذِلِكَ، كَانَ لِمَتَى وَيُوحَنَا مَجْمُوعَتُهُمَا الْخَاصَّةُ عَنْ حَيَاةِ يَسُوعَ وَتعاليمِهِ وَكَانَ الْكُتَّابُ الْأَرْبَعَةُ، كَمَا سَبْقَ وَأَشَرْنَا، مَعْصُومِيْنِ عَنْ الْخَطَأِ بِفَضْلِ إِشْرافِ الرّوحِ الْقُدُسِ.

بِاِخْتِصَارٍ، يُمْكِنُنَا أَنْ نُثَمِّنَ هَذِهِ النَّظْرِيَاتِ مِنْ جِهَةِ الْعَلاقَةِ بَيْنَ الْأَناجيلِ. لَكن يَجِبُ ألاّ نَشْعُرَ بِالْحاجَةِ إِلَى فَهْمِ كُلِ تَعْقِيدَاتِهَا، أَوْ أَنْ نَتَمَسَّكَ ‏ بِقُوَّةِ بِأَيٍّ مِنْهَا. وَمَا تُقَدِّمُهُ لَنَا هَذِهِ النَّظْرِيَاتُ هُوَ الثِّقَةُ بِأَنَ لَكُلِ واحدٍ مِنْ كُتَّابِ الْأَناجيلِ مَقَدِرَتُهُ عَلَى استقاءِ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ مَصَادِرَ عَدِيدَةٍ ‏ وَكِتَابَةِ رواية ذاتِ مصداقيةٍ عَنْ حَيَاةِ يَسُوعَ وَتعاليمِهِ. وَعَنْدَمَا نَرَى تداخلاً فِي رِواياتِ الأناجيل، تَكُونُ أَمَامَنَا الْفُرْصَةُ لنفحصَ وُجْهَاتِ النَّظَرِ الْمُخْتَلِفَةِ‏ لِلْبَشيرِينَ، بِغَضِ النَّظَرِ عَمَّن كَتَبَ أَوَلَا. وَعَنْدَمَا نَقْرَأُ مَادَةً وَرَدَتْ فِي أحَدِ الْأَناجيلِ فَقَط، يُمْكِنُنَا أَنْ نَدْرُسَهَا عَلَى ضَوْءِ أَهْدَافِ الْكَاتِبِ ‏ الْمُحَدَّدَةِ.

بعدَ أن نَظَرْنا في تأليفِ الأناجيلِ الأربَعَةِ، أصبحنا مُسْتَعِدينَ أَنْ نَتَناولَ صِحَتها.

 

المصداقية

 

كانَ هناكَ في القرونِ الباكِرَةِ للكَنيسةِ بعضُ الاختلافاتِ حولَ أيِّ أسفارٍ من العصرِ الرَسولي تَنتَمي فِعلاً إلى العَهْدِ الجَديد. ولم يَعتَرِفْ بعضُ قادةِ الكنيسةِ الباكِرينَ بِكُلِ الأسفارِ التي هي جزءٌ من العَهدِ الجَديدِ اليوم. وآمنَ آخَرونَ أنهُ يجِبُ أن نُضيفَ أسفاراً إلى السبعةِ والعشرينَ الموجودةِ اليومَ في العَهْدِ الجَديد. لكنَ هذا الجِدالَ لم يَطَلْ أناجيلَ متى ومَرقُسَ ولوقا ويوحنا. فهذه الأناجيلُ الأربعةُ - دونَ سِواها - كانَتْ دائماً مقبولةً كأسفارٍ صَحيحَةٍ وذاتِ سُلطانٍ من قِبَل كَنائِسِ اللهِ الأَمينةِ.

دافعَ أوريجانوسُ أحدُ آباء الكنيسةِ في القرنِ الثالِث، الذي عاشَ بين العامَين 185 – 254 للميلاد، عن الأناجيلِ الأربعةِ على اعتبارِ أنها وحدَها صَحيحةٌ.

ويقتبسُ يوسابيوس، الذي عاشَ بين العامَين 263 – 340 للميلادِ من أوريجانوس، ويقولُ نقلاً عن مؤلَفِهِ، تاريخِ الكنيسة، المجلدِ 6 والفصلِ 25 والقسم 4:

 

الأناجيلُ الأربعةُهي الكتب الوَحيدَةُ التي لا يُوجَدُ جَدَلٌ حَوْلَها في كنيسةِ اللهِ تحتَ السَماء.

 

كما تَحَدَثَ، قبلَ ذلك بمِئةِ عامٍ، إيريناوسُ، أحدُ آباء الكَنيسةِ الذي عاشَ بينَ العامَين 130 – 202 للميلاد، عن إنجيلٍ رُباعي في مؤلَفِه ضد الهرطقات، المجلد 3 والفصل 7 والقسم 8. استمِعْ إلى ما كَتَبَهُ:

 

من غيرِ الممكنِ أن يكونَ عددُ الأناجيلِ أكبرَ أو أصغرَ مما هيفالذي ظهرَ للبَشَرِ أي يسوع، أعطانا الإنْجيلَ في أربعةِ مَظاهرَ، لكن مرتبطةً معاً بروحٍ واحد.

 

وقال إيريناوسُ إنه لا يَعرِفُ وقتاً كان هناكَ فيه جدلٌ حول قَبولِ أيٍّ من الأناجيلِ الأَرْبَعَة، كما لا يعرفُ عن أيّ إنجيلٍ آخرَ استُخدِمَ في العِبادةِ في الكَنيسَة.

 

الكتّاب الجديرون بالثقة

 

كان هناكَ على الأقلِ ثلاثةُ أسبابٍ وراءَ ثِقَةِ الكَنيسةِ الباكِرةِ بهذهِ الأناجيلِ الأربعة. أولاً، قَبلَت الكنيسةُ هذه الأناجيلَ كأناجيلٍ صحيحةٍ لأنَها كُتبَت من قِبَلِ كتّابٍ جديرين بالثقة ورَدَت أسماؤُهم في عَناوينَ الأناجيل.

يُرجّحُ إلى حدٍ بَعيدٍ أن الأناجيلَ لم تَحمِلْ في الأصلِ أسماءَ كُتَّابِها. كما يُرجَّحُ أنه عندما كُتبِتْ في البدايةِ استلَمَها أشخاصٌ يَعرِفونَ الكُتّابَ، وربما انتشرَت مع أحرُفٍ تُشيرُ إلى كُتَّابِها. ومنذ أقدَمِ الأزمِنةِ، ربَطَتِ الكِتاباتُ المسيحيةُ بين الأناجيلِ وأسماءِ متى ومَرقُس ولوقا ويوحنا – وهم أربعُ أشْخاصٍ مَعروفونَ في العَهدِ الجَديدِ كقادةٍ مَسيحيينَ لهم سِمعَةٌ جيِّدَة.

 

الموافقة الرسولية

 

ثانياً، كان المَسيحِيونَ الأوَلونَ واثِقينَ جِداً من مَكانَةِ الأناجيلِ في قانونيَةِ الأسفار، لأنها كانت تَحْظى بموافقةٍ رسوليةٍ.

كان مَتى ويوحنا رسولَين، شاهدَي عِيان على كَلماتِ يسوعَ وأعمالِه. ويُعتقدُ أن مَرقُسَ استلمَ الكثيرَ من مادةِ إنجيلِه من بُطرُس، الذي تحدثَ بحنانٍ عن مَرقُس ودعاهُ ابنيفي بُطرُسِ الأولى 5: 13. وكما سبقَ ورأَينا في لوقا 1: 1 – 4، شرحَ لوقا أنه استنَدَ في عمَلِه إلى سِجلاتِ شُهودِ عِيان.

فضلاً عن ذلك، يُخبرُنا يوسابيوس في كتابِهِ تاريخ الكنيسةأن الرسولَ يوحنا وافَقَ شَخصيّاً على الأناجيلِ الثَلاثةِ الأُخرى قبلَ أن يَكتُبَ إنجيلَه. استمِع إلى ما قالَه يوسابيوس عن الرسولِ يوحنا في المُجَلَدِ 3 من مؤلَفِهِ والفصلِ 24:

 

الأناجيلُ الثلاثةُ التي سبقَ وأشرتُ إليها متى ومَرقُس ولوقا، والتي وَصَلَت إلى أيدي الجميع، وإلى يدَيه أيضاً، يُقالُ إنه قَبِلَها وشَهَدَ لصِحَتِها.

           

شهادة الكنيسة

 

ثالثاً، الأناجيلُ الأربعةُ جميعُها مدعومةٌ من قِبَلِ شهادةِ الكنيسةِ في القرنِ الأول. وهي قديمةٌ بصورةٍ كافيةٍ بحيثُ كان بإمكانِ الشُهودِ الأحياءِ الذين عايَنوا المسيحَ وخِدمتَه أن يَرفُضوا أو يَقبَلوا رواياتِ تلكَ الأناجيل. لكن في الواقع صادقَ شهودٌ عِيان على تلكَ الأناجيلِ عن طريقِ قبولِها في كنائِسِهم منذُ تاريخٍ باكر.

 

يشهدُ اللهُ لصَوتِه من خلالِ كَلمتِه. لكن من أجلِ فائدتِنا، يمكنُنا النظرُ إلى الأحداثِ التاريخِيَّةِ المَذكورةِ في الكِتابِ المُقدَسِ، وملاحظةُ كيفَ ترتبطُ بما نَعرِفُهُ عن التاريخِ من مَصادرَ أُخرى. يُمكنُنا أن نرى بِصورة أشملَ أن الظروفَ الاجتماعيَة، والسياسيِةَ والجغرافيِةَ وكلَ أنواعِ الأمورِ العامةِ الأُخرى المَذكورةِ في الكتابِ المُقدس، تنسجمُ معَ ما نعرِفُه عن الفَترةِ التاريخيَةِ التي كُتبِتْ فيها، بما في ذَلِكَ الفترةِ التي كُتبَت فيها الاناجيلُ في فِلَسْطينَ في القرنِ الأول. عندما ننظرُ إلى الأحداثِ التاريخيَّةِ المحدّدةِ في الكتابِ المقدَسِ والأحوالِ والظروفِ التاريخيّةِ التي يَصِفونَها، نجدُ أساساً منطقياً يُساعدُنا على التأكّدِ من أنَهَا أتَت منَ الزَمنِ الذي أشاروا إليه، ومن خلالِ شهَادة الروحِ القُدُسِ نثقُ أنَها كلمةُ الله. من هنا، في القَرنَين الأولِ والثاني في الكنيسةِ الباكرة، كانت الأناجيلُ كما نعرفُها اليوم، الاناجيلُ الأربعةُ القانونية، مقبولةً عموماً كما لو أنها من الرُسُلِ مباشرةً أو نقلاً عنهم، واعتبُرِت تلكَ الأناجيلُ شهاداتٍ أمينةً وصادقةً لأشخاصٍ عاينوا أعمالَ يسوع َوسمِعوا تعاليمَه.

د. مايكل غلودو

 

توجد أسبابٌ كثيرةٌ تجعلُنا نؤمنُ أن الأناجيلَ صادقة، ومُوحىً بها من الله، وتتضمنُ حقائقَ يمكنُ اعتبارُها مستقيمة. لكن لعلَ الشيءَ الأهمَ الذي يُمكنُني أن أقولَه: لقد ختَم شهودُ العِيانُ شهادتَهم بحياتِهم. فلو كان الأمرُ مُختلِفاً لكانوا قبل أن يُجلَدوا ويُضربوا ويُلقَوا في السجنِ ثم يُصلبوا، أن يقولَ أحدُهم على الأقل آه مهلاً لحظة. لقد كانت مُجردَ قِصة“. لكنَهُم ماتوا بسببِ ما قالوه. بالطبعِ نحنُ نعلمُ جَميعاً أن هناكَ أشخاصاً مستعدون أن يَموتوا، فهناك أشخاصٌ يموتون من أجل أكاذيبَ كلَ الوقت. القليل من الناسِ قد يموتونَ من أجلِ كِذبةٍ في حالِ أربحَتْهُم في حياتهم سلطةً وثروةً عظيمتَين أو نفوذاً. لكن التلاميذَ لم يَنالوا شيئاً. فقد كانوا نَكِرةً في هذا العالم، وكانوا هاربينَ باستمرار، افتقروا، ضَحّوا، ضُرِبوا، وماتوا. لكن واحداً منهم لم يتراجعْ عن شهادتِه. من هنا نثق أنّ ما قالوه هو الحقيقة.

د. دان دورياني

 

الوحدة

 

الآن وقد فَحَصنا النوعَ الأدبيَ للأناجيلٍ ونَظَرنا إلى مكانتِها في الكنيسة، صرنا مستعدينَ أن ننظرَ في الوَحدة بين الأناجيلِ الأربعةِ في العهدِ الجديد.

سننظرُ في الوَحدةِ بين الأناجيلِ أولاً، عن طريق التأكيدِ على أن كلَ سِفرٍ يُخبرُنا القصةَ ذاتَها عن ملكوتِ الله، وثانياً عن طريقِ فحصِ تشديدِها على يسوعَ كالشخصِ الذي يأتي بملكوتِ الله. لنبدأْ بالتأكيدِ أنَ القصةَ الشاملةَ ذاتَها مرويةٌ في كل الأناجيل.

 

نفس القصة

 

            يمكننا القول بصورة عامة، أن القصة التي ترويها كُتُبُ متى ومَرقُس ولوقا ويوحنا هي الإنجيل. في الواقع هذا هو السببُ وراءَ الإشارةِ إلى تلكَ الكتُبِ بـالأناجيل“. فهي الكتبُ التي تُخبِرُنا قصةَ الإنجيل. لكن ما هي بالتحديدِ قصةُ الإنجيل؟

كلمة إنجيل هي ترجمةُ الكلمةِ اليونانيةِ إفَنجليون التي تَعني ببساطةٍ البشارة أو الخبر السار. لذلك عندما يتحدثُ الكتابُ المقدسُ عن إنجيلِ يسوعَ، فهو يشيرُ إلى الخبرِ السارِ عن يسوع. لكن ما هو بالتحديدِ هذا الخبرُ السارُّ؟ من هو يسوع؟ وما هي القصةُ التي تُخبرُنا الأناجيلُ عنه؟

بُغية الإجابةِ عن هذه الأسئلة، يجبُ أن نفهمَ أن كلمةَ إنجيلتشيرُ أحياناً إلى نوعٍ محدّدٍ من الأخبارِ في العالمِ القديم. على وجهِ الخصوص، عندما كان الملوكُ المحاربونَ أو الأباطرةُ يُخضِعون أراضيَ جديدة، كانوا يقومون بنوعٍ من الإعلاناتِ الملَكيةِ عن انتصاراتِهم، وتلك الإعلاناتُ كانت تُسمّى البشارة“. وباستخدامِها هذا التعبيرَ إنجيل، أعلَنَت البشارةعن انتصارِ مَلِك، وعن كون مُلكُه سيأتي بالبركاتِ إلى شعبِه. في الواقع، هذه هي الطَريقةُ التي استُخدِمَ فيها هذا التعبيرُ في العهدِ القديم.

على سبيلِ المِثال، استمِع إلى كلماتِ إشَعياء 52: 7:

 

مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ الْمُخْبِرِ بِالسَّلاَمِ الْمُبَشِّرِ بِالْخَيْرِ الْمُخْبِرِ بِالْخَلاَصِ الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ: “قَدْ مَلَكَ إِلَهُكِ!”

 

تخيّلَ إشَعياءُ في هذا المَقطَع، الاقترابَ الرائعَ للمُرسَلين من الجبالِ المحيطةِ بأورشليم، معلنينَ البشارة بأن زمنَ سَبي إسرائيلَ قد انتهى.  فهم أعلنوا السلامَ والخلاصَ نتيجةَ مُلكِ اللهِ على الجميع.

وفي قرينةِ نبُوةِ إشَعياء، أيْ ملكُ الله – تأسيسُ مَلكوتِه على الأَرض- كانتِ الأخبارُ السارةُ التي كان شعب إسرائيلَ ويهوذا بحاجة أن يَسمعها. هي الأخبارُ بأن مُلك الله، سيجلبُ للشعب الراحةَ من أعدائِه وسيَعيشُ في مَلكوتِ الله الشاملِ إلى الأبَد.

لكن في زَمنِ إشَعياء، لم يكن اللهُ قد فعلَ ذلكَ بعد. فنبوةُ إشَعياءَ كانت تنظرُ إلى يومٍ في المستقبلِ عندما سيأتي اللهُ بقوةٍ كملكٍ على الأرضِ كلِها. والأخبارُ السارةُ التي أعلنَها متى ومَرقُس ولوقا ويوحنا، هي أن ذلكَ اليومَ قد أتى أخيراً بيسوعَ المسيح. وقد روى كُتّابُ الأناجيلِ جميعاً القصةَ ذاتَها، مشيرين إلى يسوعَ كالشخصِ الذي جاءَ بملكوتِ الله، وحقَّقَ نُبواتِ العهدِ القديم. فهُم الْمُبَشِّرونَ أصحابُ الأقدامِ الجميلة، الْمُخْبِرون بمجيءِ ملكوتِ اللهِ إلى الأرضِ بواسطةِ مَلِكِه الأخير: يسوع. وهذه القصةُ الواحدةُ حولَ مجيءِ الملكوتِ تشكّلُ الوَحدةَ الشاملةَ التي تشتركُ فيها الأناجيلُ الأربعة.

على ضوءِ هذه الحقيقة، يجب ألاَّ يُفاجِئَنا استخدامُ أناجيلِ العهدِ الجديدِ عباراتٍ مثلَ إنجيلويُبَشِّربصورةٍ أقلَ بكثيرٍ من العباراتِ التي تُشيرُ إلى مَلكوتِ الله. فأشكالٌ مختلفةٌ لكلمةِ إنجيلتَظهَرُ فقط في ثلاثةٍ وعشرينَ عدداً في متى ومَرقُس ولوقا ويوحَنا. بالمُقابِل، عباراتٌ مثلُ ملكوملكوت اللهوتعبيرُ متى الخاص ملكوتُ السماوات، مستخدمةٌ حوالي مئةٍ وخمسينَ مرةً.

الآن وقد فًهِمنا أن كلَ الأناجيلِ تُخبرُ القصةَ ذاتَها عن ملكوتِ الله، دعونا ننظرُ إلى تشديدِها على يسوعَ كملكٍ جاءَ بملكوتِ الله.

 

يسوع

 

نقاشُنا حولَ يسوعَ والملكوتِ ينقسِمُ إلى ثلاثةِ أقسام: أولاً، سنتأملُ ببعضِ البراهينِ التي تُقدِّمُها الأناجيلُ لتبرهنَ أن يسوعَ جاءَ بالملكوت. ثانياً، سنصفُ المفردات التي يستخدمُها الكتابُ المقدسُ ليتحدثَ عن يسوعَ والملكوت. وثالثاً، سنرى أن يسوعَ قد أتى بالملكوتِ على مراحل. لنبدأْ ببعضِ البراهينِ أن يسوعَ قد جاءَ بالملكوت.

 

البراهين

 

هناكَ جوانبٌ عديدةٌ مختلفةٌ تؤكدُ أن الأناجيلَ تَحدَثتْ عن مجيءِ ملكوتِ اللهِ بيسوع. لكنْ من أجلِ أغراضِ دَرسِنا، سنُركِّزُ على ثلاثةٍ فقط: أولُ برهانٍ نشيرُ إليه عن ملكوتِ اللهِ هو سلطانُ يسوعَ على الأرواحِ الشريرة. استمِعْ إلى ما قالَه يسوعُ في متى 12: 28:

 

وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللَّهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ!

 

كان يسوعُ في هذا المَقطَعِ قد طردَ روحاً شريراً. وقد برهنَت قُدرتُه على طردِ الأرواح، أنه جاءَ بملكوتِ الله.

ناحيةٌ ثانيةٌ برهنت الأناجيلُ من خِلالِها أن مَلكوتَ الله قد أَقْبَلَ، كانت من خلالِ قدرةِ يسوعَ على شِفاءِ المَرضى وإقامَةِ المَوتى.

تشيرُ الأناجيلُ باستمرارٍ أن قدرةَ يسوع على الشفاءِكذلك القدرةَ التي أعطاها لتلاميذِه – هي البرهانُ على أنه أتى بملكوتِ الله. ونرى هذا الموضوعَ في متى 4: 23 – 24، و5: 8 – 13، و10: 7 – 8. كما نرى هذه القدرةَ في لوقا 9: 1 – 11، و 10: 9 – وفي أماكنَ أُخرى كثيرة. ونرى مجيءَ الملكوتِ أيضاً في سلطانِ يسوعَ على غُفرانِ الخَطايا.

استَمِعْ إلى ما تنبأَ عنهُ إشَعياءُ حولَ مجيءِ المسيحِ المُنتظَر في سِفرِ إشَعياءَ 33: 22 – 24:

 

فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبُّ شَارِعُنَا. الرَّبُّ مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَاوَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: “أَنَا مَرِضْتُ“. الشَّعْبُ السَّاكِنُ فِيهَا مَغْفُورُ الإِثْمِ.

 

وأَشارَ إشَعياءُ إلى الامتيازِ الإِلَهي المَلَكي بالشِفاءِ والغُفران، وتَنَبَأَ أن الشِفاءَ والغُفرانَ سيأتِيانِ في النهايةِ من خلالِ المسيحِ المُنتظَر عندما يأتي بملكوتِ اللهِ إلى الأرضِ.

وهذا تماماً ما فعلهُ يسوع. فقد دعا الناسَ إلى دخولِ مَلكوتِ الله، وقدّم لهم حياةً عِوَضاً عن الموت. تلكَ كانتْ رسالةَ خلاصٍ، رسالةَ تحريرٍ من الخَطيِّة. استمِع إلى حديثِ يسوعَ في مَرقُسَ 2: 9 – 11:

 

أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟‏ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا“. قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:‏ “لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!”

 

أدهشَ يسوعُ الجميعَ عندما أعْلَنَ أن ابنَ الإنسانِ الذي كان الملكوتُ حاضِراً فيه، لهُ سلطانٌ على الأرضِ أن يَغْفِرَ الخَطِيَّة.

مع يسوع، جاءَ حُكمُ الله. مُلكُ الله، ملكوتُالله، كانَ هنا على الأرض. وعَنى ذَلكَ مَجيءُ البَرَكاتِ لشعبِ الله. وعنى أن سَلامَ الله، الذي تنبأَ عنهُ إشَعياءُ منذُ سنينَ عَديدة، قد جاءَ أخيراً.

بينما هذه البراهين باقية في ذِهنِنا، لنتحدثْ عن المفردات التي استخدَمَتْها الأناجيلُ في حَديثِها عن يسوعَ والملكوت.

 

المفردات

 

أحدُ الأسبابِ التي تَحولُ أحياناً دونَ أن يرى المسيحيون مباشرةً التشديدَ على مَلكوتِ اللهِ، هو استخدامُ الأناجيلِ الكثيرَ من الكلماتِ المُختلفةِ للتحدثِ عنه. من الواضِحِ أنهُم استَخْدَموا كلماتٍ مثلَ مَلك وملكوت. لكنهم استخدموا أيضاً كلماتٍ مثلَ مُلك وحُكم وسُلطان وعَرش وابن داود، وكلماتٍ كثيرة أُخرى تشيرُ إلى سيادةِ الله وسيطرته.

 

يستخدِمُ كُتّابُ العَهدِ الجَديدِ مفرداتٍ مُختلفةٍ في حَديثِهم عن مَلَكوتِ الله، ليسَ فَقَط كَلِماتٍ واضحةً، بل أيضاً مفاهيمَ ذاتَ صلة. يُمكنُ أن نَرى على سبيلِ المِثالِ أنّ لَقَباً مثلَ خريستوس ليسوعَ، والذي يعني المسيحَ أو المَمسوح، هو تعبيرٌ مُستَخدَمٌ في العَهدِ القديمِ للمَلِك، ابنِ داود. ويُمكِنُ أن نَرى في كَلمةِ كيريوس أو رب، لَقَباً أيضاً هو ليَسوعَ يُشيرُ إليه كمَلِك، وأنا أقصد كشَخْصٍ مثلِ قيصر. فهذا اللَقَبُ هو أيضاً لقَيصَر. من هنا في خلفية زمن كتاب العهد الجديد كان الناس يدركون السلطان الذي يكمن وراء كلمة رب بالطبعِ العبارةُ الأهمُ هي عبارةُ ملكوتُ اللهوينفردُ متى بالإشارِة إلى ملَكوتِ السماوات“. ومن هنا يمكننا القول إنّ هذه العبارةُ تحمِلُ معنيَيْن: المعنى الأولُ هو المجالُ المحدَّدُ لمُلكِ يسوعَ على شَعبِه، لكِنَها في الحقيقة أكثرَ من فكرةٍ لفظية، هي نوعٌ من مُلكِ اللهِ على شَعْبِه. وترتبط بهَذِهِ الفِكرةِ مفاهيمُ ذات صِلَة، مثلُ فِكرةِ الطاعةِ على سبيلِ المثال، فعلاقتُها بملكوتِ اللهِ قد لا تبدو واضحةً، لكنها متضمنةٌ بكلِ تأكيدِ بعلاقتِها بسلطانِ المَلِكِ ونوعِ الطاعة، لا بل نوعِ العبادةِ المطلوبةِ في عَلاقَتِها بيسوع.

د. غريغ بيري

           

قِصَةُ شِفاءِ يسوعَ للرجلِ المفلوجِ في مَرقُسَ 2: 1 – 12، لا تَستخدِمُ كلِماتٍ مثلَ مَلكوملكوت“. لكنَ العَددَ العاشِرَ يرينا المَعنى وراءَ قِصةِ المَلَكوتِ من خِلالِ قولِ يسوعَ: “وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا“. فمَلَكوتُ اللهِ تحقّق من خِلالِ شِفاءاتِ يسوعَ الخارقةِ وغُفرانه. بالمقارنةِ مع خلفيةِ نبواتِ العهدِ القديمِ التي تَصِفُ الطبيعةَ المَجيدةَ المباركةَ لملكوتِ الله، نَستنتجُ أنّ كلَ شيءٍ صالحٍ فعلَهُ يسوعُ كان بمثابةِ المذاقِ لملكوتِ الله بطريقةٍ أَو بأخرى.

 

من خِلالِ توَقُعاتِ العَهدِ القديمِ، والرجاءِ بملكوتِ الله، لا سَيِما من كِتابِ إشَعياء، كان الرجاءُ بإله يأتي ليحكُمَ ويسودَ ليؤسسَ ملكوتَه، يحمِلُ الأملَ بزمنٍ جديد، زمنِ إعادة كلِ شيء إلى نصابه. من هنا نرى أن أحدَ الأمورِ التي تحقَقَت في خِدمَةِ يسوعَ وفي الأناجيلِ ذاتِها هي أن خِدمَةَ يسوعَ الشِفائيةَ للمرضى، وإقامَتَه للموتى، وإيقافَه النزيف، نزيفَ الدم، وتقويمَه الأطرافَ المكسورَة، وشفاءَه العُمي. تلكَ ليستْ شهاداتٍ لقوةِ يسوعَ وسلطانِه فقط كدفاعٍ عن الإيمان - بالتأكيدِ هي كذَلِك – لكنَها ليسَت مُجردَ إظهاراتٍ لقوةِ الله، هي في الواقعِ شَهادةٌ للرجاءِ بأنَ حُكمَ الله، مُلكَه المسترَد، ملكوتَه المُسترَد، آتٍ وقد أتى الآنَ في يَسوع  المسيح . فهذهِ إحدى الطُرُقِ التي نرى من خِلالِها ملكوتَ اللهِ يتَحقق، حتى لو لم تُستخدَم التعابيرُ ذاتُها لملكوتِ الله.

د. جوناثان بينينغتون

 

الآن وقد نَظَرنا في بعضِ البراهينِ على كَونِ يسوعُ قد جاءَ بملكوتِ اللهِ وبحثنا في المفرداتِ التي استَخْدَمَتها الأناجيلُ للتَحدُثِ عن مَلكوتِ يسوع، لنَصِفَ باختصارٍ المراحلَ التي من خلالِها جاءَ يسوعُ بملكوتِ الله.

 

المراحل

 

علَّم يسوعُ أن الاختبارَ الحاليَ للملكوتِ الذي قَدَّمَهُ ليسَ الصورةَ الكامِلَة. فهناك مرحلةٌ أُخرى للملكوتِ لم تأتِ بعد. ففي وقتٍ ما في المستقبل، سيأتي ملكوتُ اللهِ بكلِ ملئِه. وصف يسوعُ هذا اليومَ المستقبليَ في لوقا 21: 27 – 28:      

 

وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ.

 

فسّر العديدُ من اللاهوتيينَ اليهودِ العهدَ القديمَ بأنه يُعلِّمُ أنه عند مجيءِ المسيحِ المُنتظَر، سيبطُلُ فوراً الدهرَ القديمَ، دهرَ الخطيَّة والموت، ويُستبدَلُ بدهرِ ملكوتِ اللهِ الجديد. لكن يسوعَ أشارَ أنهُ سيأتي بملكوتِ اللهِ على مراحل. فقد دشَّنَ ملكوتَ اللهِ خِلالَ خِدمتِه الأرْضيَة. والملكوتُ مستمرٌ اليومَ من خلالِ مُلكِه في السماء. وسوفَ يُستكمَلُ أَو يَتِمُّ في المُسْتقْبَلِ عند رجوعِه.

 

في الأدَبِ الرؤيوي اليَهودي، انْقَسَمَ الزمنُ إلى فَترَتَين: الدهرُ الحالي الشريرُ والدهرُ الآتي. وكانت التَوَقُعاتُ حينَها أنه عندما يُدَشِّنُ اللهُ ملكوتَه في الأيامِ الأخيرَة، في الدَهرِ الآتي سيَحْصَلُ الأمرُ بصورةٍ عَنيفَةٍ وفُجائِيَةٍ وكامِلَة. فأنتَ تَنتَقِلُ مُباشرةً من الفَترةِ التي ما قَبْلَ المَلَكوت، إلى فَترةِ المَلكوت، عَصْرِ الملكوت. لكن يوجدُ في العَهدِ الجَديدِ ما يُسمى بامتدادِ الأمورِ الأخيرية المتعلقةِ بالعهدِ الجديدِ بحيثُ يَنْقَسِمُ عصرُ الملكوتِ كما صُوِّرَ في الأدبِ الرؤيَوي اليَهودي إلى فَترتَين: الحاضر، أو الجزء المحقّق من ملكوت السماوات، والجزء الذي لا يزالُ قيد التحقُّقِ.

د. ديفيد باور

 

عندما نَتَحَدَثُ عن مَلكوتِ اللهِ نُشيرُ إلَيهِ غالباً كما لو أنه أتَى، لكن ما زِلنا نَتَوَقَعُ مجيءَ الملكوتِ في المُستقبل. في الواقع، علَّمَنا يسوعُ أن نُصَلي هكذا لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ“. وبما أن المَلِكَ قد جاءَ فهو دَشَّنَ إلى حدٍ ما مَلكوتَه هنا على الأرض. لكننا نَنتَظِرُ عودَتَه. مجيءُ المسيحِ ثانيةً سيكونُ اليومً الذي فيه ستتَحَقَقُ البركاتُ الكاملةُ لما فَعَلَهُ يسوعُ عندما جاءَ في البِدايَة، وإلى حَدٍ ما على كل مؤمنٍ أن يقومَ بدورِ إعلانِ مجيءِ المسيحِ في المُستقبلِ إذ يَخرُجُ إلى العالمِ ناقلاً للبشَرِ رسالةَ الإنجيل. فنَدعو الناسَ إلى أن تستعدَ ليومِ عَودتِه. لكننا كمؤمنينَ نَتَمتَعُ اليومَ بامتيازِ رُبوبيةِ المسيحِ على حياتِنا الآن، لكن ننتظرُ اليومَ الذي يتحققُ ذلك بالكامِل، ليسَ لنا فقَط ، بل لكُلِ الخَليقَةِ.

د. سايمن فايبرت

 

لذلك يجبُ أَلا يُدهِشَنا رفضُ مُعظمِ اليهودِ ليسوعَ في القرنِ الأول، لأن الملكوتَ الذي وَصَفَه لهم لم يَبدُ مثلَ الملكوتِ الذي تَوقَعوه وأرادوه. فقد تَوَقَعوا مَلِكاً ومَمْلَكةً تُطيحُ بروما وتُحرِّرُ اليهودَ من ظُلمِ الرومان. لكن عندما لم يُظهر يسوعُ أَيّ اهتمامٍ بكونِه هذا النوعَ منَ الملوك، أدارَ له الكثيرون ظُهورَهم وابتعدوا عنه، كما نرى في لوقا 17: 20 – 25 ويوحنا 6: 60 – 69.

وبالطبع، قادَ هذا الرفضُ في النهايةِ إلى إعدامِ يسوع. وما يدعو للدَهشةِ في الأناجيل، هو أن موتَ يسوعَ على الصليبِ شكّل في آنٍ معاً ذُرْوَةَ العَداوةِ لمَلِكِه، وانتصاراً لمَلَكوتِه. فقيامتُه وصُعودُه كانا الطريقَ إلى عَرشِهِ المَلَكي عن يَمينِ اللهِ الآب. لهذا السَّبَبِ استخدَمَ يسوعُ الأربعينَ يوماً بين قِيامَتِه وصُعودِه ليعلِّمَ تَلاميذَهُ عن ملكوتِ الله، كما يُخبِرُنا لوقا في أعمال الرسل 1: 3.

في متى 28: 18، أعلنَ يسوعُ قبلَ صعودِهِ إلى السَماء:

 

دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ.

 

ملكوتُ اللهِ هو موضوعُ الأخبارِ السَّارةِ الذي يربطُ معاً أحداثَ حياةِ يسوعَ في الأناجيل. فالأناجيلُ تُعلِنُ الأخبارَ السّارةَ بأَن اللهَ حفِظَ وعدَه، وأن مَلكوتَه قد جاءَ بيسوع. وحياةُ يسوعَ المنتصرةُ تَضمَنُ لنا أَنه في يومٍ من الأيامِ سيعودُ ليحقّقَ ملكوتَه مُغدِقاً علينا كلَ بركاتِ هذا الملكوت بفَيض.

 

التنوع

 

قُمنا حتى الآن في هذا الدرس، بفحصِ الأناجيلِ من جهَةِ أسلوبِها الأدَبي، ونظَرنا في مَنزِلَتِها في الكَنيسة، وتأمَلنا بـوَحدتِها. وبِتنا مُستَعِدين أن نَتَحدثَ عن التنوّعِ الذي يميّزُها من بعضَها من بعض.

تقدّمُ الأناجيلُ الأربعةُ كما رأينا، القصةَ ذاتَها لمجيءِ ملكوتِ الله، كلُ إنجيلٍ بطريقِتِه الخاصة. وسنستعرضُ هذا التنوعَ من ناحِيتَين رئيسيتَين. أولاً، سننظرُ في بعضِ الصعوباتِ الظاهريةِ التي تواجِهنا في التوفيقِ بين رواياتِ الأناجيل. وثانياً، سننظرُ في التشديداتِ المميَّزةِ لكلِ إنجيل. لنبدأْ بالصعوباتِ الظاهِرِيَة.

 

الصعوبات الظاهرية

 

ما يأسرُ انتباهَنا عندما نقرأُ الأناجيلَ، هو أوجهُ الشَبَه فيما بينها. لكنَ هناكَ مواضع يبدو فيها أَن سِجلاتِ الأناجيلِ تَختلفُ فيما بينها. لا شكَ أن مُعظمَ هذه الاختلافاتِ ثانويةٌ لدرجةِ أنه لا يُمكِنُنا اعتبارَها تناقضاتٍ بالمَعنى الحَقيقي. لكن بعضَها يُربِكُ عدداً من القُرّاء. لهذا السَّبب، من المهمِ بالنسبةِ إلينا أَن نَنظرَ في بعضِ أهمِ الصُعوباتِ الظاهِرَيَة.

 

التسلسل الزمني

 

بعضُ أهم الفروقاتِ الشائِعةِ يَتَعَلقُ بـالتَسلسُلِ الزَمني، وهو التَسلسُل الذي تُوصَفُ فيه الأحداثُ في الأناجيلِ المُختَلِفَة.

قِصَصٍ تتناولُ سِيَر حَياة، يتبعُ كلُ إنجيلٍ التَسَلسُلَ الزَمنيَ ذاتَه للأحْداث. فكلُ إنجيلٍ يبدأُ بولادِةِ يسوع، ثم ينتقلُ ليَتَحَدَثَ عن مَوتِه، وأخيراً عن قِيامَتِه. لكنْ غالباً ما تُشيرُ الأناجيلُ إلى أحْداثٍ أُخْرى في حَياةِ يَسوعَ بتَرتيباتٍ مُتَفاوِتَة. والسبب، هو أن الأناجيلَ تُوزِّعُ أحياناً الأحداثَ وِفقَ الأوْلَوِياتِ التي كانت مقبولةً في القرنِ الأول، لكن قد لا تناسب تَوَقُعاتِنا العَصرِية. وبدلَ اتِباعِ الأناجيلِ أولوياتِ التَسلسُلِ الزَمني بدِقة، رُتِّبَت أحداثُها وَفْقَ الموضوعِ أو المَوقَعِ الجُغْرافي. مثلاً، روى مَرقُس قصةَ رفضِ يسوعَ في وَطَنِه في مَرقُس 6: 1 – 6. لكنَ لوقا أورَدَها في فترةٍ أبكَرَ في إنجيلِه، وذلك في 4: 14 – 30، بحيث باتت القصةَ الأولى في خِدْمَة يسوعَ العَلَنية. فإنجيلُ لوقا يُعطي هذه القصةَ أهميةً أكبرَ من مَرقُس، وتتضمنُ هذه القصةُ تَفاصيلَ أكثَرَ للتَشديدِ على مَوضوعِ الرَفْض.

 

ولم يهتمْ كُتّابُ الأناجيل بالمُحافظَةِ على تَرتيبٍ زمنيٍ دقيقٍ لخِدمَةِ يسوعَ التَجوالِيَّة، بقَدرِ اهتمامِهِم بإعلانِ مجيءِ الملكوتِ من خلالِ تعاليمِه وأعمالِه.

 

الإغفال

نوعٌ ثانٍ من أوجه الخلاف، هو إغفالُ موادٍ من إنجيلٍ أَو أكثر. على سبيلِ المِثال، لا يُشيرُ يوحنا إلى عشاءِ الربِّ في إنجيلِه. وإغفالاتٌ من هذا النوعِ يُمكِنُ تفسيرُها بعدةِ طرق. قد يكونُ السببُ هو الاختلافُ في التشديدِ بين الكُتّاب. أَو قد يكونُ السببُ عدمَ شُعورِ كُتَّابِ الأناجيلِ المُتأَخِرينَ بالحاجَةِ إلى تَرديدِ مقاطعَ وردت في كتاباتٍ سابقةٍ لبشيرين آخرين. أياً كانتِ الحال، فإن الإغفال لا يعني وجودَ خلافاتٍ أَو تناقضاتٍ بين كُتّابِ الأناجيل.

فكِر بحَديثٍ اشترَكَ فيه عددٌ من الأشْخاص. كلُ شَخصٍ يتكلم لا يَشعرُ بالحاجَةِ إلى أَن يُكرِّرَ كلَ ما قالَه الآخرون. بل يُرَكِّزُ بدَلَ ذلك على إضافةِ وُجهَةِ نَظَرِه الخاصَة، رُبما مع بَعضِ التفاصيلِ أو بتَشديدٍ مُختلف.

والكتابُ المقدَسُ يَغفِلُ من وقتٍ لآخرَ أموراً على نحو بيّن. على سبيلِ المثالِ في أخبارِ الأيامِ الثاني 9: 29، قال كاتبُ سفرِ أخبارِ الأيامِ بوضوحٍ إنه أغْفَلَ تفاصيلَ سبقَ وسَجَّلها كتّابٌ آخرون. وهذا حصلَ ثلاثَ مراتٍ على الأقلِ في أخبارِ الأيامِ الثاني، وغالباً في أسْفارِ المُلوكِ الأوَلِ والثاني. لذلكَ يجبُ أن لا نَتَفاجَأَ عندما نجدُ أنَ أحدَ كُتّابِ الأناجيلِ أغفلَ مادةً مهمةً سبقَ وأشارَ إليها كاتبٌ آخر.

 

الأحداث المختلفة

 

نوعٌ ثالثٌ شائعٌ للصُعوبَةِ الظاهِرِيَة يَنتُجُ من أوجُه الشَبَهِ بين الأحداثِ المُختَلِفَةِ التي حَصَلَت في خِدمةِ يسوع. إذ يبدو أحياناً كما لو أَن بشيرَين يَصِفانِ الحادثَ ذاتَه بطُرُقٍ مُختَلٍفة، لكن قد يكونان في الواقِعِ يَصِفان حَدَثين مُتشابِهَين، لكن مُختلفَين.

من المُهِمِ أَن نتذكرَ أَن يسوعَ كان واعظاً مُتجَوِلاً. أي أنه كان يتجوَّلُ من مكانٍ إلى آخر. وأنه أيضاً اجتَرحَ الكَثيرَ من المُعجِزاتِ المُشابِهَةِ في أماكنَ مَختلفة، وشَفى الكَثيرَ من العُميانِ والعُرج. ولا شَكَ أنَه أجابَ عن العديدِ من الأسئلةِ والاعتِراضاتِ ذاتِها مرةً تلوَ المَرَة.

كذلك، تجاوبَ الناس مع يسوع بطرق متشابهة في مناسبات مختلفة. تأمل بروايتَي دَهنِ يسوعَ بالطيب في لوقا 7: 36 – 50 وفي مَرقُسَ 14: 3 – 9. في لوقا، كان يسوعُ في بيتٍ فَريسّي، أما في مَرقُس فقد كان في بيتِ سِمْعان الأبرَص. فلا يوجد هنا رِوايتان مُتناقِضَتان لحَدَثٍ واحد، بل روايتان لحَدَثَين مُختلِفَين.

 

الخطابات المختلفة

 

نوعٌ رابعٌ من الصعوبةِ الظاهِرِيَة هو الإرباكُ الذي يَحدُثُ بسببِ خطاباتٍ مُختلفة لها مُحتوى مُشابِه.

وأحدُ أفضلِ الأمثلةِ على ذلك، هو عِظَةُ يسوعَ على الجَبَلِ في متى 5: 1 – 7: 29، ومجموعةُ التعاليمِ المُشابِهَة في لوقا 6: 17 – 49. ونقرأُ في متى 5: 1 أَن العِظَةَ أُلِقيَت على سَفْح جبل. لكن في لوقا 6: 17، نقرأُ أنها أُلقيَت على أرضٍ مستوية.

هناكَ على الأقلِ ثَلاثُ طُرقٍ لتفسيرِ هذه الصُعوبة. أولاً، قد يكونُ متى ولوقا يتَحدثانِ عن العِظَة نفسِها التي وَعَظَها يسوع في المَكانِ والزَمانِ ذاتِهما. فالجِهةُ الجَنوبيّة الغَربيّة من بحرِ الجليلِ ليست مُنحَدَراً جَبلياً وَعِراً، بل هي سُفوحٌ من التِلالِ المُتَمَوِجَة المُرتفِعَةِ فوق سَطح البحر. وتضُمُ هذه التلالُ مناطقَ أصغرَ مُستوِيَةً نِسبياً، بحيثُ يُمكِنُ اعتبارُ المَوقَعِ ذاتِه جبلاً، كما هي الحالُ في متى، أو سَهلاً، كما هي الحالُ في لوقا. ثانياً، قد يكونُ هذا نموذجاً عن ممارسةٍ قديمةٍ تَقْضي بوضعِ عِظةٍ مركَّبَةٍ عن طريقِ جَمعِ ما عَلَمَه يسوعُ في مُناسَباتٍ مُختلفة، في عِظةٍ واحدة. فهذا الأسلوبُ اتبَعَهُ المؤرِخونَ القُدامى ولا يَنتقِصُ من نزاهةِ الأناجيلِ ومِصداقِيَتِها. لكنْ من جِهةٍ أخرى، يُمكِنُ أَن يكونَ يسوعُ قد وَعَظَ عِظَتَيْن متشابهتَيْن في يَومَين مُختلِفَين، وفي مُحيطَيْن مُختَلِفَين. الأولى على سَفحِ جَبَل، والثانية في سَهْل. وبِسبَبِ أسلوبِ خِدمَةِ يَسوع، فمِنَ المَنطِقي أَن نَفترِضَ أنه كرَّرَ الكَثيرَ من تَعليمِهِ على المُستَمِعينَ الجُدُدَ الذينَ لم يَعْهَدوا تِلكَ التَعاليم.

عن طريقِ مُراقَبَةِ الأساليبِ المُتَنَوِعَة، يُمكِنُ التوفيقُ بين أوجُهِ الخِلافِ بين الأناجيل. يُمكِنُنا أَن نَتأكدَ من أَن شَهادَتَهم المُوَحَّدة لحياةِ المسيحِ وخِدمَتِه صادقتَين. نعم، هناك تناقضاتٌ ظاهريةٌ في التَفاصيل. لكن هناكَ أيضاً تفسيراتٌ مَنطِقيةً لكلِ أنواعِ الاختِلافات. وعندما نَكتشِفُ أَن يسوعَ علَّم الشيءَ ذاتَه في مُناسَباتٍ مُختَلِفَة، يُمكِنُنا أن نرى التَوافُقَ بين خِدمَتِه ورسالَتِه، ونكتشفَ طُرُقاً مُتنوِّعَة لنُطبِّقَ تَعاليمَه على حَياتِنا.

بدأنا في النظَرِ إلى التَنَوُعِ بين الأناجيلِ الأربعةِ عن طَريقِ السؤالِ عن الصُعوباتِ الظاهِريةِ في النُصوص. وغدونا الآن مستعدينَ أَن نبحثَ في تنَوُّعِ الأناجيلِ الأربعةِ عن طريقِ استِكشافِ تشديداتِها المُمَيَّزة.

 

التشديدات المميزة

 

لما كان لكلِ إنجيلٍ كاتِبُه الخاص الذي كَتبَ رِوايةَ حياةِ يسوعَ وخِدمتِه من وُجْهَةِ نَظَرِه الخاصَة واهتِماماتِه، بَرَزَت اختلافاتٌ في الأناجيل الأربعَة. وانطلاقاً من إدراكِنا أَن كلَ إنجيلٍ من الأناجيلِ الأربعةِ مُوحى به من الروحِ القُدُس، يُمكِنُنا أَن نثقَ بأَن كلَّ رِوايَةٍ هي خالية من الخَطأ، وبالتالي لا تتناقضُ مع الرِواياتِ الأُخرى. هذا لا يَعني، أنه لا توجدُ اختلافاتٌ، فالروحُ القُدُسُ استَخدَمَ الشّخصياتِ والاهتِماماتِ وظُروفَ خِدمةِ الكُتّابِ البَشَريين ليُشكّلَ تلك الاختلافات. لذلك، إن أرَدنا أَن نتباركَ في كلِ الجَوانبِ التي يريدُ الروحُ القُدُسُ أن يُبارِكَنا فيها، يَجِبُ أَن نأخذَ بعينِ الاعتبارِ الأسلوبَ الفريدَ الذي للأناجيلِ عندما نقرأُها.

في الكَثيرِ من ظُروفِ الحَياة، نَجِدُ أشْخاصاً مُخْتلِفينَ يَتَحَدثونَ عن الحَقيقةِ ذاتِها بِطُرُقٍ مُختلِفة. وأيُّ شَخْصٍ يُشاهِدُ أطْفالاً يَلعَبون، يَعرِفُ أن حَدَثاً واحداً يُمكِنُ أن يَكونَ له تَفْسيراتٌ عَديدةٌ متناغِمَة. فكُلُ طِفلٍ لهُ وُجْهَةُ نَظَرِه في اللُعبةِ التي يَلعَبُها. وعن طَريقِ الإصْغاءِ إلى كلِ واحدٍ مِنهُم يَتَحَدَثُ عن اللعبَة التي يحبُها، يُمكِنُنا أن نُرَكِّبَ معاً صورةً عما حَدَث. فقد يَكونُ طِفلٌ مُتَحمِّساً لألوانِ اللُعبة. وآخرٌ مُتَحَمِسٌ لوَصفِ الأصواتِ التي تَصدُرُ عن تلكَ اللُعبة. وآخرُ قد يكونُ مُتَحَمِساً للحركة أثناء اللَّعِب. ووُجهاتُ النَظرِ تلكَ لا تناقِضُ بعضَها البعض، بل تدُلُّ على أَن كلَّ طِفلٍ جَذَبَتْه ناحيةٌ في اللعبةِ أكثرَ من سِواها.

بطريقةٍ مماثلة، تَنعَكِسُ اهتماماتُ وهمومُ كتّابِ الأناجيلِ في روايتِهم لقصةِ الإنجيل. فلا يُوجدُ رِوايتان مُتطابقتان تماماً. فكلُ قصصِ العهدِ الجديدِ تصِفُ يسوعَ واحداً، لكنها تَتَحدَثُ عنه بطُرُقٍ مُختلِفة، وتُشَدِّدُ على جَوانِبَ مُختَلِفة من خدمته.

 

لدينا أربعةُ أناجيلَ لكنَّ يسوعَ واحدٌ. ماذا يَجبُ أن نَفعَلَ حِيالَ ذلك؟ في الحقيقة، من ذكاءِ المسيحيينَ الباكرينَ أنهم أَدرَكوا أن يسوعَ شَخصِية ٌتاريخيةٌ مُعقَّدةٌ جِدّاً بحيثُ لا يُمكنُ وَضْعُه في رَسمٍ واحد. فالأناجيلُ هي بِمَثابَةِ رُسومٍ ليسوع. صحيحٌ أنه يُمكِنُ التعرّفُ على يسوعَ في الأناجيلِ الأربعَةِ القانونِيَّة، لكنَها في الوقتِ نَفسِه تَنظُرُ إلى الأحداثِ في شخصِ يسوعَ من زوايا مُختِلفةٍ وبطرقٍ مُتَنوِّعة. على سبيل المِثالِ، نحن لا نجدُ في إنجيلِ يوحنا أمثالاً أو طَردَ أرواح. ويتميَّزُ يسوعُ في إنجيلِ مَرقُسَ بأمثالِه، والمُعجزةُ التي تتكررُ في الِقسمِ الباكرِ من إنجيلِ مَرقُس هي طَردُ الأَرواح. هذه صُوَرٌ مُختلِفَةٌ عن يسوعَ لكنَها تَتَحدَثُ عن يَسوعَ واحد. لكلِّ كاتبِ إنجيلٍ وُجهَةُ نَظَرٍ مُختَلِفةٍ عن يَسوع، ليسَ بمعنى أن واحداً يَعتقِدُ أنهُ المسيحُ وآخرُ لا يَعتقِدُ ذلك، بل بمَعنى أن لهُم تشديداتٍ مُختلِفَةً حولَ كَيفيةِ إعلانِ أن يسوعَ هو المِسيحُ الذي وُعِدَ به اليَهود، وهو مُخلِّصُ العالَم. فمن هنا شَعَروا بالحُرِيَة، بإشرافٍ منَ الوَحي أن يُشَدِّدوا على نواحٍ مُختلفةٍ وعلى أجزاءَ مُختَلِفةٍ في خِدمةِ يَسوع، وعلى أساليبَ مُختلِفَةٍ في صِياغَةِ السؤالِ وتَقديمِ الإجابات.

د. بِن ويذرينغتون

 

يوجدُ الكثيرُ من الخصائصِ والمواضيعِ المميّزةِ في الأناجيل. لكننا سنركّزُ في هذا الدرسِ التَمهيدي على الطريقةِ التي يُجيبُ بها كلُ إنجيلٍ عن السؤالين: من هو يسوع؟ وكيف نتبعُه؟ لنبدأْ بالنظرِ في إجابةِ متى عن هذَينِ السؤالَين الهامَين.

 

من هو يسوع في متى؟

 

من بينِ كلِ كتّابِ الأناجيل، اهتمَ متى أكثرَ من سواه بإخبارِنا أَن يسوعَ هو الملكُ المسيحاني لإسرائيلَ الذي أُنبِئَ عنهُ في العَهدِ القديم.

وعيِّنةٌ صغيرةٌ عن المواقعِ التي يُشير فيها متى إلى يسوعَ كملكٍ: 2: 2 حيثُ سألَ المجوسُ: “أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟” 7: 21 – 23 حيثُ قال يسوعُ: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ؛ 20: 20 – 28 عندما طلبَت أمُ الرسولَين يعقوبَ ويوحنا أَن يُعطى ولداها مَكاناً مُميّزاً إلى جانِبِ يسوعَ في المَلكوت؛ 25: 31 – 46 حيثُ أعطى يسوعُ مَثَلاً عن مجيئِه في اليومِ الأخيرِ كَمَلكٍ ليَدين. 27: 37 الذي فيه أشارَ متى متهكِّماً إلى وَضعِ الجنودِ الرومان لافتةً على الصليبِ فوقَ رأسِ يسوعَ تقولُ: “هَذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ“.

وقد كان مُتوَقعاً أَن الملكَ المسيحانيَّ الذي أرسَلَهُ اللهُ سيَأتي بِملكوتِ اللهِ المَسيحاني إلى الأرض، ويُطلِقُ إسرائيلَ من السَبي ويُخَلِصُّهُم من أعدائِهم. كما سيَحكُمُ بالبرّ، مُرسِّخاً السلامَ والازدهار. وقد تمَّمَ يسوعُ كلَ ذلك، لكنه لم يفعلْ ذلكً بالطريقةِ التي توقَعَها اليهود.

استمِعْ إلى كلِماتِ متى 5: 17:

 

لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.

 

فَهِمَ يسوعُ أَن الكثيرَ من اليهودِ الذين شَهِدوا خِدمتَه سيظنون أنه يُدمِّرُ شريعةَ اللهِ وأنهُ أخفقَ في تَحقيقِ وعودِ العَهدِ القديم. لهذا السبَبِ قال وبِتشديدٍ واضح ٍأنه كان يتمّمُ الشريعةَ والأنبياء، حتى وإن لم يَبدُ الأمرُ كذلك.

ليسَ في هذا المَقطَعِ فقط، بل مَرةً تلوَ المرَة يُخَبِرُنا متى أَن يسوعَ تمّمَ ناحيةً أَو أُخرى من أسفارِ العَهدِ القديم، مُبَرهِناً أنه هو حقاً المسيحُ المنتظرُ مَلِكُ اليهود.

كيف نتبعُ يسوعَ إذن بحسبِ متى؟ حَفِظَ يسوعُ شريعةَ اللهِ بشكلٍ كامل، لكن ليسَ هذا كلُ ما فَعلَه. فقد أعلنَ أن حِفظَ المتطلباتِ الخارجيةِ للشريعةِ ليسَ كافياً. فقد طلبَ اللهُ دائماً من مُواطني الملكوتِ أَن يُطيعوهُ من كلِ القلب. وأخبارُ الإنجيلِ السارةِ هي أن الملكوتَ قد أتى جالباً معَه الغُفرانَ والخَلاصَ لشعبِ الله، ومُعطياً إيانا قُلوباً جَديدةً مُطيعة. وهذه القلوبُ الجَديدةُ تُعطينا القوةَ والدافِعَ لنَتبَعَ يسوعَ بطاعةِ المحبةِ والشُكرِ والفَرَح.

 

عندما نتحدثُ عن طاعةِ اللهِ من القلبٍ، فالقلبُ هنا هو تَعبيرٌ شامل. أُعلِّمُ شعبي أنّه من الرأسِ إلى القَلبِ فاليَد. بهذه الطريقةُ يَجِبُ أن نُطيعَه ونُحِبَه. فالرأسُ هو كُرسِيُ الخَيال، وكُرسِيُ العَقل، ويُفترَضُ بنا أن نُحِبَ اللهَ من كلِ فكرنا. ويُفترَضُ بنا أن نُحِبَّه من كلِ عاطِفِتنا. كما يُفترضُ بنا أن نُحِبَ اللهَ بأيدينا وأرجُلِنا. فالقلبُ لا يعني عُضواً يَخفُقُ داخلَ صدرِك. بل هو تعبيرٌ شامل. فهل نُحِبُ اللهَ من الخارج؟ في الحقيقةِ نعم. لكن نحبُ اللهَ أيضاً بعواطِفِنا. نُحبُ اللهَ بكلِ ما عندنا وأظنُ أن كلمةَ القَلب، تشيرُ إلى ذلكَ كلّه.

د. مات فريدمان

 

والآن بعد أن رأَينا كيفَ يُجيبُ إنجيلُ متى عن سؤالَينا، دَعونا نفحَصُ ما يقولُه مَرقُس.

 

من هو يسوع في مرقس؟

 

أولاً، من هو يسوع بِحَسَبِ مًرقُس؟ شدّد مَرقُسُ في كلِ إنجيلِه على أن يسوعَ هو ابنُ اللهِ المُتألِمِ الذي انتَصَرَ على أعداءِ شَعبِ الله. وقد دوَّن مَرقُسُ حالاتٍ عديدةً من مُعجِزاتِ يسوعَ تُظهِرُ سُلطانَه على قُوى الشَّر. وعلى الرُغمِ من أن إنجيلَ مَرقُسَ أقصرَ بكثيرٍ من إنجيلَي متى ولوقا فهُوَ يُسجِّلُ تقريباً العدَدَ ذاتَه من المُعجزات – ثماني عَشرةَ مُعجِزة.

نرى من بِدايةِ إنجيلِ مَرقُسَ أَن يسوعَ هو ابنُ اللهِ المُنتصرُ والمتألِم. وفي الفصلِ الأولِ وَحدَه، نرى يوحَنا المَعمَدانَ يتنبأُ بمَجيءِ المسيح، ثم ما لبِثَ أن بدأَ يَسوعُ خِدمتَهُ العَلَنِية. فتعمَّدَ وجُرِّبَ في البرِّيَة، ثم دعا تَلاميذَه الأوَلينَ وطَرَدَ الأرواحَ الشريرةَ وشَفى الكثيرَ من الناسِ من أمراضٍ مُختلفة. حتى القِراءَةُ السَطحِيةُ لهذه القِصةِ المليئةِ بالحَركة، تُظهرُ يسوعَ ظافِراً بقوة على أعداءِ مَلكوتِ الله. وتُبيِّنُ القراءةُ الأعمقُ أَن مَرقُسَ صوَّر يسوعَ كابنِ اللهِ المُتألِمِ منذُ بِدايِةِ خِدمَتِه.

على سبيلِ المِثال، يُدوِّنُ لنا مَرقُسُ 1: 12 – 13 هذه الروايةَ بعدَ معموديةِ يسوع:

 

وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ.

 

عانى يسوعُ من هَجَماتِ إبليسَ منذُ اللحَظةِ الأولى لخِدمِتِه العَلَنِيَّة. وصورةُ يسوعَ كالعبدِ المتألمِ استَمرَت في التَنامي في كلِ إنجيلِ مَرقُس بينما كان يَسوعُ يَتَحمَّلُ الاضطِهادَ والرَفض.

كيف نتبعُ إذاً يسوعَ الظافِرَ المُتألمَ بِحَسَبِ مَرقُس؟ من جِهِة، لا يُجَمِّلُ إنجيلُ مَرقُسَ الحياةَ المسيحيَة، وهو يصِفُ التلمذَةَ كعمليةٍ صَعبةٍ ومُحبِطَةٍ في كَثيرٍ مِن الأَحْيان. ففي هذه العَمَلِيَةِ لا نَتَألمُ فَقَط، بل نرتكبُ أيضاً أخطاءً ونخفقُ. ولعل السِمَةَ المميّزةَ في إنجيلِ مَرقُسَ هي كَثرَةُ المراتِ التي أخْفَقَ فيها تلاميذُ يسوعَ في فَهْمِه والتَجاوُبِ معَه بالإيمان. في مَرقُسِ 4: 40 تَساءَلَ يسوعُ إن كانَ لتلاميذِه أيُّ إيمانٍ على الإِطلاق؛ في 6: 52 كانت عقولُ التلاميذِ غليظة؛ في 7: 18 اتهمَ يسوعُ تلاميذَه بعدم الفهملأنهم فَشِلوا في أن يَفهَموا تعاليمَه؛ في 9: 18 عَجَزَ التلاميذُ أَن يَطرُدوا روحاً شِريراً؛ في 9: 38 – 41 حاولَ التَلاميذُ عن طَريقِ الخًطأِ منعَ طارِدِ أرواحٍ شريرة لأنهُم لم يَكونوا يَعرِفوه؛ وفي الفصلِ 14 وشى به أحدُ التلاميذِ إلى السُلُطاتِ، وأنكرَ آخرُ أَن تكونَ له أَيّ علاقةٍ بيَسوعَ، بينما تَخَلى عَنهُ الآخَرون.

يُعَلِّمُنا هذا التشديدُ في إنجيلِ مَرقُسَ أمرَينِ على الأقلِّ عن اتِّباعِ يَسوعَ. أولاً، مثلُ التلاميذِ لا نقدرُ دائماً أن نَفهَمَ يَسوع. في الواقع، نحنُ على الأرجَحِ سنُسيئ فَهْمَ أمورٍ كثيرةٍ في الكِتابِ المُقدَس. من هنا نَحتاجُ أن نَتَواضَعَ بشكلٍ كافٍ كي نُدركَ أن أمامَنا الكثيرَ لنَتَعَلَمَه. ونحتاجُ ضِمنَ ذلك أن نقبلَ تعاليمَ الكِتابِ المُقَدَسِ بإيمان، عالمينَ أَن كلمةَ اللهِ صَحيحةً حتى إن بَدَت غَريبةً أو مَغْلوطةً بالنسبةِ لنا.

وثانياً، لا يُمكِنُ للمسيحيين تَجُنَبَ الصعوباتِ والألم. فهناكَ مخاطرُ جَمَّة، وتجاربٌ عديدةٌ تَعمَلُ على إبْعادِنا عن اتِّباعِه.

استمِع إلى ما قالَهُ يسوعُ في مَرقُسَ 8: 34 – 35:

 

مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا.

 

علَّم يَسوعُ أنه علَينا أَن نكونَ أُمَناء في عَهدِنا مَعَه. يجِبُ أَن نَكونَ مُستعدينَ أَن نَتألمَ كما تألمَ يَسوع، أن نقِفَ في وجْهِ التَجربةِ والهَجَماتِ الروحية. لكن لاحظْ أمراً آخرَ في هذا المَقطع: ليسَ يسوعُ فقط ابنَ اللهِ المُتألِم، بل هو أيضاً ابنُ اللهِ الظافر. في الواقع، هو ظافرٌ من خِلالِ مَوتِه. ونَحنُ إن اقتَفَينا خُطاهُ بأمانةٍ في التألُمِ من أجلِ الملكوت، فسوفَ نُجازى بالحياةِ الأبدية.

 

الألمُ يجعَلُنا نُرَكِّزُ على ما هو فِعلاً مُهم. فمن خِلالِ الأَلمِ نُدرِكُ أن هذا ليسَ كلَ ما في الحياة، فهناكَ ما هو أهمُ مما أنا أعيشُ من أجلِه الآن، وما زلتُ أثِقُ باللهِ في وَسَطِ الألمِ لأن حقيقةَ ما أمتلِكُه في يسوع المسيحِ هو أعظمُ من راحَتي، وسَلامَتي، وسَعادَتي، ومن الأمورِ التي أهتمُ لأجلها.

د. جون ماكينلي

 

جاء يسوعُ كَعَبدٍ متألِم. وكلُ من يَتبَعُ المسيحَ يجِبُ أن يَتَوَقَعَ في حَياتِه ألَماً حَقيقيّاً. وهذا يَرتبِطُ بمَن هو يسوعُ بحيثُ إنّنا عندما نَأتي إلى هَذا العالَمِ المَليءِ بالألَمِ، إن أرَدْنا أن نكونَ جُزءاً من خِدمَةِ المسيح ، يَجِبُ أن نُفسِحَ في المَجالِ للألمِ في حَياتِنا. وليسَ ألَمُنا نحن فَقَط، بل ألمُ الآخَرينَ أيضاً الذين نَحَزَنُ ونتألّم مَعَهُم، ونَستقبِلُ ألمَهُم في حياتِنا أيضاً، وأن نصبحَ جُزءاً من ذلكَ ونَخدِمَ في هذا الإطار. ونحن عندما نقبلُ إلى العالمِ لنخدمه ونحن مُستعِدون أن نتألمَ، إذ هي إحدى الطُرُقِ الرئيِسيَةِ التي لا يُريدُنا اللهُ أن نَخدِمَ من خِلالِها ونحن نَتبعُ المسيح، نبدأُ نفهمُ قلبَ الله. عندما يُنَقينا اللهُ، يسمحُ للألمِ أن يُنتِجَ فينا خُلُقاً، ويُنشئ فينا رجاءً وصَبراً، وعندها ندركُ كيف يستخدِمُ اللهُ الألمَ في حياتنا، لكي ينقينا، أكثرَ من أيِّ وسيلةٍ أخرى.

د. إريك ثيونيس

 

فيما متى ومَرقُسَ في أذهانِنا، لنتأملْ كيفَ يُجيبُ لوقا عن أسئلتِنا حولَ يسوع َوأتْباعِه.

 

من هو يسوع في لوقا؟

 

يُجيبُ إنجيلُ لوقا عن السؤالِ من هو يسوع؟عن طريقِ الإعلانِ أنه مُخلِّصُ العالمِ الرحوم. وقد أتى يَسوعُ بالخَلاصِ إلى الغَني والفَقيرِ عَلَىَ الْسَّوَاءِ، إلى القادةِ الدينيينَ والمَنبوذينَ من المُجتَمَع. وأخبارُ يسوعَ السّارةُ هي للجَميع حتى لأولئكَ المُحتقَرينَ. وقد شدَّد لوقا على هذه الحَقيقةِ بعدةِ طُرُق. كَرَّم يسوعُ الأختَينِ مَريمَ ومَرْثَا، في وقتٍ اعتبرَ الكثيرُ من الرجالِ أن النِساءَ أقلُّ شأناً منهُم. وقد دوَّنَ لوقا أمثالاً وقِصَصاً أظَهَرَ فيها نساءً مَثلَ المَريضة، والمُنحنيِة، وحتى الأُمَمِيَة، كنساءٍ يُقتدى بِهِنَ، ويستَحقِقْنَ المَديح. وقد مدَحَ يسوعُ الأرملةَ التي أعطَت في الهَيكَلِ القليلَ الذي هو كلُ ما وفَّرَتْه في حَياتِها. وقد أخبرَ لوقا قِصَةَ العَشارِ المَنبوذِ زَكا الذي كان تجاوبُهُ مع يَسوعَ نَموذجاً لكلِ قُرّاءِ لوقا. فمرةً تلوَ المرَة دوَّنَ لوقا اهتمامَ يسوعَ بأولئكَ الذينَ أهْمَلَهُم المُجْتمَع.

على سَبيلِ المِثال، استمِع إلى هذهِ الروايةِ من لوقا 17: 12 – 16:

 

فَلَمَّا اقْتَرَبَ [يسوعُ] إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ وَهِيَ أَرْمَلَةٌ فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: “لاَ تَبْكِي“. ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ فَوَقَفَ الْحَامِلُونَ. فَقَالَ: “أَيُّهَا الشَّابُّ لَكَ أَقُولُ قُمْ. فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَابْتَدَأَ يَتَكَلَّمُ فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ. فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: “قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَه.

 

في العالَمِ الروماني في القَرنِ الأوَل، لم يَتَوَفرْ للأرمَلَةِ التي فَقَدَت ابنَها الكَثيرَ من سُبُلِ العَيش، وكانت فُرَصُها لإيجادِ عَمَلٍ ضَئيلَة. وبِتَشديدِه على حَنانِ يَسوعَ عليها ـ أشارَ لوقا إلى أن عَمَلَ الربِ كمُخَلِّصٍ كان مُوَجَهاً أيضاً إلى اُلفقَراءِ والبائِسين. وكما علَّقَ الناسُ في نِهايةِ القِصَة، فإن خَدمَةَ يسوعَ بين المُحتاجين والضُعَفاء كانتِ البُرهانَ على أن اللهَ افتقدَ شَعبَه.

إذن، كيفَ يُجيبُ إنجيلُ لوقا عن السُؤالِ الثاني: كيفَ نَتْبَعُ يسوع؟ انسِجاماً مع اهتِمامِ لوقا بالفُقَراء، هُناكَ أمرٌ يُمكِنُنا أن نفعَلَه، وهو أن نعطفَ على الآخَرين. يَجِبُ أن نَهتمَّ بالفُقَراء، وأن نُجاهِدَ لنَسُدَّ احتِياجَهم. يَجِبُ أن نَكونَ مُستَعِدينَ أن نُعطيَ مُمتلكاتِنا، وطعامَنا، ومالَنا لندْعَمَهم. والحَقيقةُ أَن اللهَ غالباً ما يُرسِلُ مَسيحيينَ مُحسِنينَ استجابةً لصَلواتِ المُحْتاجين. وكما قالَ يسوعُ في لوقا 12: 33:

 

بِيعُوا مَا لَكُمْ وَأَعْطُوا صَدَقَةً. اِعْمَلُوا لَكُمْ أَكْيَاساً لاَ تَفْنَى وَكَنْزاً لاَ يَنْفَدُ فِي السَّمَاوَاتِ حَيْثُ لاَ يَقْرَبُ سَارِقٌ وَلاَ يُبْلِي سُوسٌ.

 

عندما نتبعُ يسوعَ بأمانةٍ عن طَريقِ الاهتِمامِ بشعبِه بأمانةٍ، فهو يُكافئُنا بميراثٍ أبَدي.

طريقةٌ أخرى يُمكِنُنا من خِلالِها أَن نَتبعَ يَسوع، هي عندما نَستريحُ واثقينَ في حَقيقَةِ أَن اللهَ سيَسُدُ احتياجاتِنا أيضاً.

استمِع إلى كَلِماتِ يسوعَ في لوقا 12: 22 – 31:

 

لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَلاَ لِلْجَسَدِ بِمَا تَلْبَسُونَ فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا  بَلِ اطْلُبُوا مَلَكُوتَ اللهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.

 

كأعضاءَ في ملكوتِ الله، يُمكِنُنا الوُثوق أَن مَلِكَنا العظيمَ يسوعَ المسيحَ سَيَهتمُ بنا ويَسُّدُّ احتياجاتِنا.

 

وهذا التشديدُ على الوثوقِ بالمُخَلِّصِ مُرتَبِطٌ بمَوضوعَين آخرَين في إنجيلِ لوقا وهما: السَّلامُ والفَرَح. على سبيلِ المِثال، نحو بِدايةِ إنجيلِ لوقا، في 2: 10 – 14 نقرأُ هذا الإعلانَ المَلائكي:

 

فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: “لاَ تَخَافُوا. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ“.

 

بعد اثنَينِ وعِشرينَ فَصلاً لاحقاً، يَختِمُ لوقا إنْجيلَه بالطريقةِ ذاتِها التي استَهلَه فيها. ففي نِهايةِ قصتِه، كان التلاميذُ يَتبعونَ يسوعَ ويختبِرونَ الفَرحَ الذي كان المَلائِكةُ قد أنبأوا به في الفَصلِ الثاني.

 

ثلاثَ مَرّاتٍ قالَ يسوعُ في حَديثِه في يوحَنا الفصلِ العِشرينَ، سَلاَمٌ لَكُمْ“. لا أظنُ أنه كان يُلقي تَحيَّة. أعتقِدُ أنه كان يَقولُ هذا هو الأساسُ الحَقيقي. حتى لو مرَرْتُم بظُروفٍ صَعبة، وخَسِرتُم من تُحبّون، ولم تَعرِفوا أني سَأعود، ستَخضَعون قريباً للدِكتاتوريَةِ الرومانِية، والأمورُ ستَسوءُ أكثرَ. أريدُكم أن تَعلَموا أني هنا، وعندما أكونُ هنا أجلِبُ سَلاماً جَوهرياً. أنا فَرَحُكم. فمهما حَدَث، مهما حَدَثَ حولَكم، مهما واجَهتُم في حَياتِكم، إن كنتُم تَعرِفونَني فعِندَكُم أساسٌ لسلامٍ حَقيقي. والكلمةُ الكِتابيةُ للسَلام شالوم، تُشيرُ إلى حُكمِ اللهِ العادل الشامِلِ، وإلى سيادَتِه مهما كانت الظروف. وأنا أجلِبُ لكم الفرَح، أنا لستُ هنا لأُهَدِّئَكم فقط. بل لأعطيَكُم الفَرحَ الحقيقي، الذي هو أكثرُ من إحْساس. هذا الفرحُ هو إدراكٌ إيجابيٌّ بأني أُسيطرُ على العالَم، وبأني لن أسْمَحَ لأيِّ أمرٍ أن يَحدُثَ لكُم ما لم يَمُرَّ من خِلالي، كما قالَ يسوع. وأحِبُّ ما قاله بولسُ في مَعْرِضِ حَديثِه عن ثَمرِ الروح. عندما يأتي الروحُ القدسُ ليملأَ حياة َالمسيحيين، جميعُكُم ستُحِبّون؛ والكلمةُ الثانيةُ سيكون لكم فرح. والكلمتان لا تنفَصِلان. وهو يُضيفُ أموراً أخرى، لكنَّ الأَمرَ الرئيسيَ هو أنهُ عندما تنسَكِبُ مَحبةُ اللهِ في قلبي، أتجاوبُ معها بحيثُ لا أعيشُ وَفْقاً لمَفهومي الشّخصي للواقِع، الذي هو مُتشائِم وسلبيٌ إلى حدٍّ بعيدبل عندما يحضرُ يسوعُ، فإنّ الجوابَ الوحيدَ هو أنا في سَلام. فقد جلبَ قوةَ قيامتِه إلى حياتي، وأنا عندي فرح، عندي رجاء، لأنّ مع يسوع لا يوجد هزيمة. ولا يوجد أمورٌ تتهاوى، بل هو يجمعُ كلَ شيءٍ بشكلٍ شاملٍ وكامل.

د. بِل يوري

 

استَمِع إلى كَلماتِ لوقا الخِتامِية في 24: 52 – 53:

 

فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيم.ٍ وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ.

 

اتّباعُ يسوعَ في إنجيلٍ لوقا، يعني أن نَبتهجَ في خلاصِنا وفي كلِ بَركاتِ الله. يعني أَن نرتاحَ فيه بِسلامٍ واثقينَ أنه سيَسدُّ كلَ احتِياجاتِنا، وأن نكونَ مُستَعدينَ أَن يَستَخدِمَنا اللهُ لكي نُوصِلَ هذه البركاتِ ذاتَها إلى الآخرين.

بعد أَن رأَينا كيفَ أجابَ كلٌّ من متى ومَرقُس ولوقا عن السؤالَين، من هو يسوع؟ وكيف نتبعُه؟ بِتنا مُستعِدينَ أَن نتأملَ كيفَ أجابَ يوحنا عن هذه الأسئلةِ بصورةٍ فريدة.

 

من هو يسوع في يوحنا؟

 

صوَّر يوحنا في إنجيله، يسوعَ كابنِ اللهِ الذي تمَّم خُطةَ الخلاصِ الأزليَة. وبتشديدِه على هُويةِ يسوع كابن الله، تَحدثَ يوحنا عن عَلاقةِ يسوعَ الفريدةِ بالآب. يسوعُ هو الإعلانُ النِهائي لأبيه، والوحيدُ القادرُ أَن يَجعلَ الحياةَ الأبَديةَ متوفرةً لجَميعِ الذين يَضَعونَ إيمانَهم فيه. على سبيلِ المِثال، في وقتٍ استَهلَّ كُتّابُ الأناجيلِ الآخَرونَ كتاباتِهم بميلادِ يسوعَ أَو خِدمتِه الباكِرة، بدأ يوحنا إنجيلَه بالإعلانِ عن أَنّ ابنَ الله كان مُشاركاً في الخَلقِ مع الله، وأن الآبَ هو مُعلَنٌ الآنَ من خِلالِ ابنِه الوَحيد.

طريقةٌ أُخرى أبلغَ يوحنا من خلالِها رسالتَه المَجيدة، كانت من خلالِ سلسلة أقوالِ أنا هوالتي نطقَ بها يسوع. ألمحَ يسوعُ من خلالِ هذه التصريحات، إلى اسمِ اللهِ في العهدِ القديم يهوه“. في الخروجِ 3: 14، فسّر اللهُ نفسُه أَنّ اسمَ يهوهيعني في الأساسِ أنا هو“. وقد ألمحَ يسوعُ إلى هذا الاسمَ في يوحنا 6: 35، حيث قال أنا هو خبزُ الحياة“. كما نجدُه في 8: 12 و9: 5 في عبارة أنا هو نورُ العالم“. وفي 10: 7، 9 في أنا هو الباب“. وفي 11: 25، في أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ“. وفي 14: 6 “أنا هو الطريقُ والحقُ والحياة“. وفي 15: 1 في عبارةِ أنا (هو) الكَرمةُ الحقيقية“. أما في 8: 58، قدَّمَ يسوعُ ذُروةَ إعلانه” “أنا كائن” (أو أنا هو“). وقد أعْلَنَ يسوعُ نفسَه في كلٍ من هذه الشَواهد، كالحامِلِ لاسْمِ اللهِ المُقدَسِ في العَهدِ القديم، وأنه إعلانُ اللهِ في شَخصِه.

وتتضحُ مَنزِلَةُ يسوعَ في وَسطِ خُطةِ اللهِ الأزليةِ للخَلاصِ من خِلالِ صَلاةِ يسوعَ كرئيسِ كهنةٍ في يوحنا 17. استمِع إلى صلاةِ يسوعَ في يوحنا 17: 24:

 

أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.

 

ربطَ يسوعُ بين خَلاصِ أتباعِه ومَحبةِ الآبِ للابنِ قبلَ الخَلق. وكانت نُقطَتُه أَن خَلاصَنا هو انسِكابُ مَحبةِ اللهِ على يسوع.

فإن كان يوحنا قد صوّرَ يسوعَ كابنِ اللهِ الذي تمَّمَ خُطَةَ الخَلاصِ الأزليَة، كيف يُجيبُ إنجيلُ يوحنا عن السؤالِ الثاني؟ كيف نَتبعُ يسوع؟

الطريقةُ الرئيسيةُ التي من خِلالها نتبعُ يسوعَ في إنجيلِ يوحنا، هي من خِلالِ اختِبارِ محبةِ اللهِ لنا وإظهارِ تلكَ المحبةِ نفسِها واحدُنا نحو الآخر. وقد وضعَ يسوعُ نموذجاً لنا لنَتبعَهُ من عدةِ جوانب. على سبيلِ المِثال، نرى هذا في يوحنا 17: 23 – 26، حيثُ تكَلَم يسوعُ عن محبةِ الآبِ لابنِه. وهذه المحبةُ الأزَليةُ للآبِ لابنِه كانتْ وراءَ الخُطةِ الأزَليةِ للخَلاصِ الذي أنجَزَه يسوع. لذلك من الطبيعي أن تكونَ المحبةُ هي علامةُ التَلمَذةِ في إنجيلِ يوحنا. وكما قالَ يسوعُ لأتباعِه في يوحنا 13: 34 – 35:

 

وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً. بِهَذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ.

 

فبِحَسَبِ يوحنا، نحنُ نتبعُ يسوعَ عن طريقِ مَحبةِ أحدِنا الآخرَ بهذا النوعِ من المَحَبَة.

وهكذا تبدأُ التلمذةُ وتنقادُ بالمَحبة. محبةُ اللهِ لنا تُحرِّكُ تلمذَتَنا. ومَحبَةُ الله التي تظهرُ من خلالِنا نحوَ بعضِنا البَعض هي التعبيرُ عن تَلمَذَتِنا. وهذا يساعدُنا أَن نَفهمَ لماذا أشارَ يوحنا إلى نفسِه بـالتلميذِ الذي كانَ يسوعُ يُحبِهوليس بالتلميذِ الذي يُحِب“. فقد عَرَفَ يوحنا أن قُدرَتَه على مَحبةِ الآخرينَ أتَت من عُمقِ مَحبةِ يسوعَ له. فأتباعُ يسوعَ هم مَحبوبون أولاً، وبعد ذلك هم مدعوونَ ليُحِبَ أحدُهم الآخر.

 

قد يتساءَلُ بعضُهم إن كانت الاختِلافاتُ في ميزاتِ الأناجيلِ الأربعةِ تدلُ نوعاً ما على أنها مُتَنافرة، وأنها تروي لنا قصصاً متضاربة، لكني لا أعتقدُ أن هذه هي الحالُ على الإطلاق. أعتقدُ أن ما نجدُه في الأناجيلِ الأربعةِ هو أربعُ وُجهات نظرٍ متناغمةٍ معاً لقصةِ يسوع. والأناجيلُ الاربعةُ موحدةٌ حولَ فِكرة أنَها تُخبرُنا قصةَ ذلكَ الانسانِ الذي هو الإلهُ المتجسدُ الذي جاءَ إلى العالمِ ليُخلِّصَ الخُطاةَ من الخَطيئةِ والمَوت. وينظرُ كلُ إنجيلٍ إلى يَسوعَ ذاكَ من وُجهَة نَظَرٍ مُختَلفةٍ ويُشدِدُ على تَفاصيلَ مُختلفةٍ في حياتِه. لكنَ تلكَ الرسائلَ ووجهاتِ النظرِ ليست متناقضَة، بل هي مُنسجِمة.

د. ستيف كوان

 

الخاتمة

 

قدّمنا لكم في هذا الدرسِ مَدخلاً لدراسةِ الأناجيل. وقد نَظَرنا في أسلوبِها الأدبي، ولاحَظْنا أَن الأناجيلَ هي قصصٌ تاريخيّةٌ ذاتَ مِصْداقية. كما تأمَلنا بـمنزِلتِها في الكنيسة، ورأينا كيف أنها جزءٌ أصيلٌ من أسفارِ العهدِ الجَديد. وقد فَحَصناها عن طريقِ المُقارَنَة فيما بينها، واستَنتَجنا أنها جميعُها تُخبرُ قصةَ ملكوتِ الله ذاتها، بالرغم من تصوير كل إنجيلٍ يسوع والتلمذَة بطريقتِه الخاصة.

فَهمُ الأناجيلِ أمرٌ حاسِمٌ بالنسبةِ لكلِ مَسيحي. فنحنُ نَضَعُ كلَ ثِقَتِنا في هذه الحياة بين يدَي المَسيح الذي لم نرَهُ أَبداً وَجْهاً لوَجه. فكلُ ما نَعرُفُه عنه، نعرِفُهُ من خِلالِ كلِمَتِه – لا سيما الأناجيل. وآمَلُ أَن يَكونَ ما تَعلمناهُ في هذا الدرسِ التَمهيدي، قد أعدَّنا لندرسَ كل إنجيلٍ من الأناجيلِ الأربعةِ بعُمق أكبر، ونفهمَ تأثيرَ رسالةِ كلِ إنجيلٍ على إيمانِنا وحياتِنا.

 

اترك تعليق

XHTML: You can use these tags: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>